جمدتني الصدمة في مكاني مثل صنم..
النظرة الأولى التي اكتسحت المشهد الضبابي كانت خاطفة لكن تلك اللاحقات ارتدت غموضاً سافراً اخترقت به حدود الدهشة رغبة في مداعبة الوداعة. مع مرور الوقت السارد ألقه في طريق الألفة كان الشبح واثقاً كل الثقة مما يرتكبه من فظاعة رغم حصار ضوء القمر الخجل من فعلته. منغمساً كان. واثقاً يغرف الماء من بطن القارب الذي اعتلى مقدمته المعاندة لكبرياء الريح الجامحة في تلك الليلة المظلمة. ولم تكن الدلو الخشبية نعم المعين. الساعة التي قضاها منهمكاً في ملهاته دون انقطاع لم تؤتِ الثمار المرجوة لذلك انفعل آتياً بحركة قذرة من إصبعه وجهها للمجهول الذي انتشل منه كيساً رماه على عجل في عرض البحر المسالم. ضخامة الكيس وتضاريسه المتعرجة تشي بأن المحتوى لابد وأن يكون نكاية. تخلص من الدلو بالطريقة نفسها. كان من الواضح أن الشبح لم يأبه أن تشهد العيون الفضولية ارتكابه المثير للشبهة. التفسير الوحيد الذي يمكن قبوله في هذه الحالة المضطربة أن تصرفاته المخبولة كانت تعمد إلى لفت الانتباه. انتهت الاحتفالية بالغناء بأعلى ما في الصوت من قوة. هل كان يغني للبحر؟ ربما تمنى أن يسعفه بنجدة أو ينعم عليه بتعاطف.
لم أتحمل المشهد فزعقت بدوري عارضاً المساعدة. كان من الواضح أن الشبح يتجاهلني بالانشغال بضبط إحداثيات الوجهة الجديدة. لم يثنني هذا التصرف الأرعن عن محاولة التقدم صوبه حتى حدود اليابسة حيث اعتقل البحر خلف قضبان ضخمة من شجر الصنوبر. سريعة كانت ردة فعله. أعطاني ظهره بكل برود حتى حجب منكبيه العريضين المنارة الطافية على بحر الظنون ثم تابع يغرف القارب من منغصات أخرى ظلت عصية على المشاهدة. أيقنت في نهاية المطاف أنه بحاجة للتركيز على أمر أكثر أهمية من واقعة الاغتيال وهذا ما يفسر دفاعه المستميت عن العزلة التي بروزها بملح البحر.
أصبح الميناء مهجوراً بعد رحيل الفوج الأخير من الكائنات. لم يكن هناك غير نوارس ضجرة تتجول بتكاسل، غير خائفة من الخيانة التي قد تصعق ظنونها الشريرة في أي لحظة. بعد ساعات قليلة سيحتفل الفجر بانتصاره المرتقب على جحافل الظلام، معلناً بداية جديدة للنور الذي أعطاه الأمل، وللشبح المسكين الذي يجاهد في إنقاذ القارب من الغرق والهرب من قدر محتوم قد يقضي بنهايته.
الشبح هادئ الآن لكن النوارس التقطت العدوى. هل يتبادلون الأدوار؟ يخامرني شك أقرب لليقين في أنهم متصل بعضهم ببعض بطريقة أو بأخرى فقد أقلعت النوارس من قاعدة الشعور الآمنة طيرانا للشبح الذي استقبلها استلقاءً في بطن القارب استعداداً للرحيل. ظلت النوارس تحوم فوقه في دائرة احتفالية من أجل أن يصل لمثواه الأخير بأمان حيث أعدت له الأعماق قبراً من الطحالب. بالتأكيد يثق الشبح بالنوارس وإلا لما عهد لها بوصية الكتمان تحط مسماراً على الشاهد.
منذ أن هاجر الشبح للمجهول لم ترجع النوارس للميناء الذي افتقد مشاغبتها للريح. ترددت على المكان أكثر من شهر وفي أوقات متفرقة من اليوم ولم أسمع شائعات تحوم حول ظهور الشبح أو عن نميمة تروج لجريمته الشنيعة التي هزت كيان السكون. لو كان حقيقياً ما شاهدته في تلك الليلة فإن الواقعة الفانتازية لن تفوت مرور الكرام على فضول العامة. ستكون الحدث الأبرز في هذه البلدة الهادئة لوقت طويل. أعرف الناس هنا تواقون لإثارة من هذا القبيل حتى يشعلوها بإضافة نكهات مبتكرة حتى تغدو القصة أكثر تشويقاً. لكنها أيضاً ليست تهيؤات. أغلب الظن أن الرجلين من خارج البلدة لذلك مرت الحادثة دون أدنى تأثير. أقلعت عن التفكير في صحة الواقعة وقررت الالتفات إلى متابعة حياتي والتركيز على فعل أشياء أكثر فائدة من تقصي إثارة تجري على الهامش.
أحببت البلدة كثيراً فالناس هنا طيبون وودودون إلى درجة أنهم يتسابقون على خدمتك قبل أن تطلبها. منذ اللحظة التي وطئت قدماي ترابها يعاملني أهلها بالاحترام والحفاوة إكراماً لعائلتي التي نالت شهرتها من نضالها المشهود لطرد الاحتلال. هُجرت عائلتي مع نهاية الحرب العظمى لكن والدي تمسك بالبقاء ليصبح بطلاً يصارع النفي مع الشرفاء. عرفت هذه المعلومة طفلاً ولكن تفاصيلها أغدقها علي أهل البلدة منذ استقراري في بيت العائلة. “تكفل والدك وحده بقتل المئات من الغزاة” .. “بفطنته الفريدة أسر قائد الهجوم قايضه بعشرات الأسرى” .. “حفر خندقاً حول البلدة في ليلة واحدة وألقمه الزجاج والنار” .. “تكفل مع أمك تطبيب الجرحى في ساحة البيت الخلفية.. فعلها من ماله الخاص ودون اللجوء للمستوصف العام”.
أحبني الناس أكثر لتوثيقي انتصارهم الأسطوري في المعركة التي خسرت فيها أبي. أشعلت المحبة في قلوب الطرفين مثل مشعل، جدتي التي أسعدها قدومي والأهالي الذين ألهبت مخيلتهم الخصبة بشجون لم تفارقهم قط. تبعتها بقص حكايات عن المقاومة المعاصرة التي تفننت في سردها عليهم فأنارت ظلام الذاكرة ووهجت فضولهم طلباً للمزيد.
كل ليلة جمعة كنا نجتمع في القاعة الكبرى للمجمع البلدي في حلقة سمر خلابة نتشارك خلالها الحكايات العجيبة التي تمور بها المدينة التي سمعوا عنها ويتمنون صنع مثيلاتها. قد كانت مغامرة أو تحدٍ وقد يكون المزج بين الاثنين محاولة لردم الهوة العميقة في عقولهم بين الحقيقة والخيال، بين الصدق والكذب، بين التردد والإقدام. تلك الهوة التي أضاعت أبي وضيعتني.
لم أحظ برؤية أبي. تعلق في ذاكرتي ملامح باهتة تلتهم مساحة الصورة الفوتوغرافية كعلامة يتيمة نجت من ذكريات الجدة الرائعة. في الوقت الذي ولدت فيه كان هو يلفظ أنفاسه بطلقة غبية من نيران صديقة. رتب له القدر أن يجاور غرفة أمي في المستشفى الذي كانت تصرخ فيه وهي تدفعني للنور. كم هي غريبة الحياة عندما تلعب على التناقضات معرضة فرص النجاة للخطر. لم تطق المسكينة فراقه فلحقته بعد أن كملت عدتها بالتمام والكمال لتضرب لي موعداً مع شقاء أحبطته شجاعة المرأة العجوز.
أصبحت الذكرى لعنة.
في كل مرة أعتقد أنني أضعت ذكرى الميناء أجد نفسي مقيداً لحادثة مماثلة وقعت مباشرة قبل مغادرتي للمدينة. لا أقدر على نسيان تلك الليلة التي هاجمني فيها الأرق وأضاع النوم طريقه لجفوني. هجرت الفراش بعد محاولات مضنية للغفوة. زحفت باتجاه النافذة حيث أرخيت جسدي المرهق على إطارها المعدني البارد. ببرود أشعلت سيجارة ونفثت الدخان البكر على الزجاج الذي أرجعه قلقٌ مرعبٌ في نفسي. طفقت أقتحم خصوصيات المباني المجاورة بحثاً عن متعة محرمة حتى وقعت عيناي على ظل يتأرجح مائعاً في كل الاتجاهات. بحذر مبالغ فيه تتبعته حتى وصلت إلى مصدره. رجل يستند بظهره على السياج المعدني لسقف البناية المقابلة ويتلاسن مع شبح يتدثر بالظلمة. كلاهما مشحونان بالتوتر حيث حركات اليد تفضح نية الهجوم عند الشبح والصد عند الرجل الغريب. ارتبكت ولم أعرف كيف أتصرف لإيقاف الاشتباك المفترض. لا فائدة ترتجى من الصراخ. بالتأكيد لن يسمعاني ونية الغدر تملأ الأفق. وبالطبع لا يمكن أن أهاتف الشرطة والمعلومات التي بحوزتي لا تكفي لتسجيل بلاغ يحرك نجدتهم. ستكون حتماً فعلة غبية لو حاولت. انتفضت من خمولي وهرعت إلى خزانة الملابس وطفقت أبحث عن مصباح يدوي أحتفظ به لأوقات الطوارئ عندما ينقطع التيار الكهربائي. صوبته صوب المشهد. كان يأسي محقاً فحزمة الضوء التي وصلت بالكاد حدود السطح لم تخفف من سخونة المشاعر المتهيجة ولم تلفت الانتباه. قد كانت محاولة متأخرة لم تثنِ الشبح عن دفع الرجل من ذلك الارتفاع الشاهق ثم الفرار قفزاً فوق أسطح البنايات المجاورة تماماً مثلما يفعل الأبطال الخارقون في أفلام التشويق.
في صبيحة اليوم التالي أنكر الجيران، حراس المباني المجاورة، أصحاب الحوانيت القريبة وعمال النظافة الجريمة البشعة التي ارتكبها ذو الأكتاف العريضة. كان الشبح بارعاً في إخفاء أدلة الجريمة فقد لملم الجسد مع الروح في خطفة بصر، شفط بحيرة الدم من الشارع وكنس شظايا الزجاج من الطريق. عند هذه النقطة المحبطة أقنعت نفسي مرغماً بأن الحادثة لم تكن إلا كابوساً لا يمت للصحو بصلة، وأن واقعة الميناء يجب أن لا تمنعني من مواصلة رحلة اكتشاف الذات لأعرف أي إنسان كنت وكيف سأكون.
توقفت عن لقاء أهالي البلدة بعد أن تشوش تفكيري بأفعال الشبح المجنونة. كيف سأقص عليهم روائع الأمل والإيمان به سراب قطعاً لن يتحقق. تحول انتباهي عن أولئك الطيبين الذين استمدوا من تلك القصص معانٍ جميلة تطرز حياتهم بنور الهداية. عرفتهم خجلين من مواقف وصمت جبينهم بالعار لذلك لم أنغص عليهم بطلب تفاصيل الخذلان التي سلمت الوالد رهينة للغدر. أعرف أنهم تخلوا عنه مرغمين في اللحظة التي احتاج لدعمهم. هذا الهاجس لم يزعجني قط فقد نشأت على حنان امرأة عجوز، معلم رصين للفضيلة وراع متمكن لحكمة لم تخذلني قط.. “لا تلتفت للوراء فيفوتك ما كنت تتمناه”.
لطالما كنت أصفها بأنها حارسة أمينة للكرامة التي هدرت بموت البطل الذي لم يجدوا جثته. بمساعدة من شجاعتها ومؤازرة من رباطة جأشها تمكنت من التغلب على حزني وتدبرت أمر التكيف مع خساراتي المتتالية. في عالمها الحالم عشت كبطل أخطط للسعادة وأسير الأمنيات على مشتهاي. لقد عوضتني بكل اقتدار عن عاطفة الأبوة المفقودة لأكون بالتالي عالمها الخاص. عرفت والدي من خلال قصصها الشائقة التي تحكيها كل ليلة قبل النوم. بالرغم من أنها جدتي لأمي لكنها أحبت والدي أكثر من أبنتها الوحيدة. ربما لأنه أصبح الابن الذي تمنته يخلص العباد من الظلم.
مثلما انقطعت كل صلاتي بالمدينة منذ أن غادرتها منكسراً ذات مساء باهت انقطعت كذلك صلاتي مع الناس في البلدة منذ اللحظة التي اقتحم الشبح العزلة التي أحطتها بحياتي. طوال عمري لم أكن أؤمن بإشارات الضلال بفضل الدروس التي ألقمتني إياها الجدة وبريق الذكريات الخالدة. حفظت ذاتي من خرافات كهذه ولم ألتفت قط للترهات حتى أربكني الشبح بظهوره الإجرامي في أوقات السكينة وأفقدني شعبيتي في هذه البلدة التي قدرتني ولم تبخل علي بالحب.
بالإضافة إلى معاودة جلسات القراءة فقد كنت مهووساً بخلق مخرج رصين ومتفق عليه من المعضلة التي وضعت نفسي في غمارها. وجودي في هذه الحياة يجب أن لا يخضع لشروط يمليها على الغير أو تجيرها الأوهام لمصلحة الانفصام. كنت أمضي ساعات طويلة في المكتبة العامة بحثاً عن خلاص قد تنعمه علي الصفحات الصفراء أسراراً وشغفاً. روح والدي تخرج من الكتب والمراجع لترفرف على المكان وتحوط روحي بالثقة. تحرس أحلامي الكثيرة حتى تتحقق في أقرب فرصة. لقد أدركت الآن لماذا أصبح هذا الرجل رمزاً عظيماً في هذا المكان الذي يتمناه قبراً. في حضرة هذا القديس لست بذي قيمة، مجرد قزم ينحني بكل إجلال أمام روعة أمل الكرامة الذي وعد بها الناس. كل الناس.
في ليلة جميلة.. مضيئة برغبة تبليغ أرواحهم بالبشارة دعيت أهالي البلدة إلى البيت القديم. شغل الحشد كل شبر من المكان فقد اكتظوا بدءاً من الممر الطويل وانتهاءً بالساحة الخلفية حيث أعددت العدة لاحتفال مهيب. كانوا يتوقعون مني خطبة مصالحة مشتعلة بكلمات أستلهمها من مبادئ الوالد العظيمة التي خلفها إرثاً مشاعاً للأحرار فقط. قضيت بداية الأمسية متفقداً الضيوف، مشاركاً في الأحاديث الجانبية، أنثر الضحكات وأخيراً متجاهلاً أسئلتهم الفضولية بتصنع الانشغال في إجراء مكالمة هاتفية أو الرد على متصل مجهول.
لم ينتظروا وقتاً طويلاً فقد أطفأ شخص مجهول المصابيح مفسحاً المجال لآخر يشق الصفوف على عجل وصولاً للساحة الخلفية حيث أعددت على شرفه منصة خشبية معتبرة يتصدرها منبر فخم. بنبرة واثقة وصوت متهدج بدأ الخطبة بقراءة ميسرة من الذكر الحكيم دون أن يسوق تعريفاً عن شخصيته أو يمهد للموضوع الذي سيتناوله.
ضوء القمر الخجول الذي انسكب بالكاد على الساحة لم يكن كافياً للضيوف ليتعرفوا على المتحدث. قد كان هو. الشبح الذي يطارد شكوكي حتى في الوقت الذي أنصب فيه مصائد لجنونه. أدركت في هذه اللحظة كم هو آسر هذا السراب وهو يدهشني في مواجهة الحشد الذي التزم الصمت والهيبة في انتظار انكشاف الغمة.
رغم اليقين من شخصية الشبح الذي أصاب طمأنينتي في مقتل فقد راودتني الشكوك في رصانة فعل الملاحقة. من يطارد الآخر؟ هل هو الوهم الذي أطارده أو أن القلق من يطارد مخاوفي. لم تتأكد لي هذه المراوحة اللعينة في جلد الذات لكنني واثق من أن المتحدث عريض المنكبين هو الفارس المنتظر الذي يمتلك الخلاص. ربما هو الشبح والفارس ويتناوب في تقمص الشخصيتين بحرفنة. لا أستطيع التحقق من هذه المعضلة. خلفه مباشرة وقفت جدتي التي نفضت عجزها المزمن من أجل أن تدعم مكانته الخالدة في الأفئدة بالتأكيد. أقترب من المنصة بتمهل وكلي أمل أن تكون أن لا تكون شبحاً هذه المرة.. أيها الأب العظيم.

