* ألا تظن أن القصة القصيرة استطاعت أن تكون نصاً غير ذاتي؟
يفترض في القصة القصيرة أن تكون نصاً غير ذاتياً عندما تتعرض للمعنى ولكن القاص لا يستطيع الفكاك من شر الذاتية في صياغته للفكرة وبنائه للشخوص ورسمه للأماكن أوعند تحريكه لكل عوامل القصة سواءً بوعي أودونه. أنه مأسور بتاريخه وذكرياته والأماكن التي أثرت في شخصيته. هذه الذاتية يجب أن تكون في القصة وهي التي تميز قاص عن آخر. أغلب الكتاب العرب ذاتيين في كتاباتهم للقصة القصيرة، تلك الذاتية الواضحة أتفه التفاصيل وأدقها. تبدأ مع بداياتهم وتتلاشى تدريجياً مع اكتساب الخبرة الحياتية.
أعتقد بأن الكتاب الأجانب أقل ذاتية بحكم التركيبة الثقافية لمجتمعاتهم ومجال الحرية الممنوح لهم حيث القيود معدومة والمواضيع أكثر تنوع دون حساسية الشرق المجنونة المتصلة بالغلو في الدين والتزمت في العادات الإجتماعية والمبالغة في الممارسات ناهيك عن الحساسية السياسية تجاه المثقف؟ أعتقد أيضاً بأن كتاب الرواية هم المعنيين بهذا الإتهام حيث تشكل تجربتهم الحياتية هيكل أعمالهم الروائية على فكرة قد تكون مغايرة لما عايشوه حيث البطل له صفات الروائي / المكان / الحوادث / الحوار / الأفكار / الفلسفة. القصة القصيرة لاتحتمل الذاتية كثيراً حيث التكثيف لا يسمح للكاتب أن يملي ذاتيته على نص لا يحتمل إلا فكرة محدودة.
* هل ما زال للحكاية مكان في زمن قتل الحكايات؟
هذا هو زمن الحكايات في زمن ردئ بما تحملهالكلمة من معنى حيث الحرية مكلبة والقهر هو سيد الموقف. الحكاية هي السلاح في وجه السائد من قيم معكوسة تحكم هذا الزمان. صرؤخة ضد الإستهلاكية التي تطبع حياتنا بالترف وتركن الثقافة على الجانب الآخر الغير مثير للإنتباه؟ الحكاية بمفهومها البسيط وشخصياتها الحياتية المرسومة بعناية من أجل لفت الإنتباه هي ما يمكن أن تنقذنا ولو بشكل أولي مؤقت من هذا السبي الذي يلف حياتنا الثقافية الرتيبة. القصة القصيرة في الوطن العربي تتراجع وهذا واضح مقارنة بالرواية والشعر بعد أن كانت مزدهرة في فترة من الفترات ومرت بمراحل تطور تأرجحت بين التجريب والتغريب لكنها تركت مكانها بعد أن تقاعس عنها تحول عنها للرواية المؤثرين من كبار الكتاب.
الحكاية تقول ما تعجز عنه الأساليب الأخرى والأهم أنها تصل إلى أكبر شريحة ممكنة من القراء، وتعتمد أكثر ما تعتمد على شخوص قريبة من القارئ إن لم تكن ملاصقة لذاكرته أو حياته الآنية، وتمر عبر أماكنهم وتتكلم بلغتهم البسيطة، تحمل معاني الحياة التي تعصرهم ورغم ذلك يعيشونها بأمل. ببساطة الحكاية لا تتغرب عن الإنسان العادي البسيط بل تقترب من عالمهم دون أن تفقد ملامحها كقطعة أدبية تنتمي لجنس القصى القصيرة، وهذا لا يعيبها على الأطلاق لأنها فن راقٍ جداً.
* في مجموعة (رائحة الليل) إصرار على تأكيد أثر الحكاية أو الحكاية المختلفة .. هل من أثر لمثل هذه الحكايات في المجتمع المدني الحديث؟
عندما نتناول أي مجتمع فأنه لايتكون من الحالة المدنية الحديثة فقط فهناك شريحة أو بمعنى أدق عدة شرائح أما تم نفيها من الطفرة الحديثة للحالة الإجتماعية أو هي إختارت منفاها لعدم قدرتها المادية على مواكبة هذه الطفرة. اذن فالحديث عن عمومية المجتمع ككتلة حديث هي غير منطقية على الإطلاق، وغير عادلة أيضاً. المجتمع الآن بات خليط من طبقات ولكل طبقة ثقافتها التي تشكل نمط حياتها وتعاملها مع الآخر. لها أماكنها التي تمثل بؤرة الصراع والحياة وكذلك الإمتداد الآتي لها من ثقافات أخرى، بالطبع محيطة.
لكل شريحة من هذا المجتمع زمنه، ولكل زمن حكاياته الفريدة التي تشكل تاريخه. قد تختلف ولكنها تسرد بالتأكيد واقعاً جديراً بالملاحظة والتوثيق من بعد إنساني. في كل زمن هناك المكان والشخصية، مكان ينحت الذاكرة وشخصيات تبعث على الحياة والتأمل ومن ثم الكتابة عن سرهم أو معاناتهم بشكل أو بآخر. في مجموعة (رائحة الليل) ألتقطت نماذج محدودة تنتمي لمناطق شعبية من جزيرة (المحرق) ولأشخاص مؤثرين على صعيد ذلك المكان وعلى ذاكرتي بالتحديد. نماذج إستثنائية مارست ضغوطاً غير عادية على ذاكرتي من أجل أن ترى النور وتؤسس تاريخاً مؤثراً هو جزء لا يتجزء من تاريخ المحرق الجميل. هناك شخصيات أخرى أرتبطت بأماكن أخرى فريدة من جزيرتي الجميلة سترى النور قريباً في مجاميع قادمة وهي بذلك تؤكد على وجود الحكاية في مجتمع مغرق في الحداثة؟ لماذا؟ لأن الحكاية هي أصل الحياة تائية بذلك عن إرتباطها بزمان معين وتغيراته المختلفة.
* للمكان حضور مميز في هذه القصص وكذا تعلق الشخصيات فمن يصنع الآخر .. المكان يصنع الإنسان أم الإنسان يصنع المكان؟
الشخصية والمكان عنصران أساسيان في الفن القصصي يكملان بعضمها البعض، أما من يصنع الآخر فهي مسألة جداً نسبية تخضع لإعتبارات عديدة أهمها واقعية الحدث وتماسك الفكرة الأساسية التي يبني عليها الكاتب قصته / حكايته. هناك قصص تطغى فيه الشخصية على كل ما عداها إلى الحد أنها تخلق مكاناً قد يكون وهمياً / مصنعاً / عادي وقد يصعد المكان في قصص أخرى ليطمر شخصيات متألقة مجتمعياً ويبرز شخصيات مغمورة للسطح فتغدو أبطالاً في نظر الكاتب / القارئ بعد أن كانوا هامشيين / نكرة.
بإعتقادي أن القاص المتمكن هو من يولف بين هذين العنصرين دون أن يشعر القارئ بأنه ضحية دوامة؟ هناك دائماً مزيج خاص / تركيبة يقوم بها القاص من أجل أن تستقيم حكايته بإعتبار أنها العنصر الوحيد الذي بإمكانه أن يحدد القيمة الأكبر للعنصرين. عني شخصياً أعير المكان أهمية خاصة، على الأقل في هذه المرحلة من حياتي / كتابتي، وهو يأتي في المقام الأول عندما أشرع في كتابة جديدة. أما الشخصية فهي العنصر المكمل الذي يأخذ الحكاية إلى بر الأمان لتضيف إليه البعد الأنساني الجميل بتفاصيله ومعاناته وألقه.
في فترة ماضية كانت الشخصية هي محور القص عندي وأنتهيت عندها إلى المنعطف النفسي الذي يجرك الشخصية ويتتبعها حتى آخر حدود الألم.
* هل تعتقد أنه لتعود مثل هذه القصص أن يعود الزمن للوراء؟
أبداً ومن يدعي بذلك هو مخطئ، بل جاهل. فالعمل الإبداعي عملية تراكمية تعتمد بشكل كبير على الفترة الماضية من الحياة وعلى الذاكرة الإنسانية بشكل أساسي. وأنا لا أعتقد بأنه عندما نكتب عن مرحلة أنتهت أنما نعود للوراء، كل ما في الأمر أننا لا نبدو واثقين مما جرى في تلك الفترة فنكتب جاهدين في محاولة يائسة لكشف المخبوء على طريقتنا الخاصة. قد نفلح وقد نفشل لكننا أبداً لا نلتفت للخلف حسرة.
نحتاج أيضاً بصفتنا الإبداعية أن نؤرخ بعين الأدب لحياتنا تلك التي لو نظر لها آخر ما وجدها ساحرة / مملة ولو تفحصها مؤرخ عجز عن فك طلاسمها / بريقها. أننا نكتب عن أنفسنا أو حياتنا ونشارك الآخرين فيها بطريقة أو بأخرى من باب الإحتفاء وإكتشاف الحياة من خلال فرحة الآخرين أو حزنهم. قد يكون هذا الإكتشاف متأخر بعض الشيء لكنه أفضل من لاشيء. قصصي لم تكن تحكي كثيراً عن حوادث ماضية بقدر ما كانت تحتفي بشخصيات لم تأخذ حقها من التقدير وأماكن لم تنل نصيبها من الأضواء الكاشفة. شخوص بهية وأماكن رائعة تكاد تندثر من ذاكرتنا لذلك وجب علي أن أعيد لها هيبتها المفقودة.
* كيف تحدثنا عن تجربتك الإلكترونية؟
تجربتي الإلكترونية قديمة بدأت منذ العام 1998م عندما صممت ونفذت موقعي الشخصي على الإنترنت وهو بالمناسبة الأول من نوعه خليجياً وعربياً وأسميته (البنفسجة الرصاصية) حيث وضعت فيه تجربتي الأدبية نصاً ونقداً. شغفي الكبير بالحاسوب دفعني لأن أخرج من نطاق المحلية الضيق إلى رحابة الفضاء حيث نقلت تجربتي إلى جغرافية جديدة وكونت صداقات كثيرة أعتز بها. مر الموقع بمراحل تطوير متعددة حتى وصل إلى شكله الحالي (مقهى الثقافة والإبداع العربي .. http://www.khayyat.net ) وهو عبارة عن موقعي الشخصي بالإضافة إلى مقهى كبير يحتضن الإبداع العربي في شتى مظاهره. وهو بحق تظاهرة إبداعية عربية أعتز بتأسيسها. وما أفرحني أن هذا الموقع قد حصل مؤخراً على جائزة البحرين للمحتوى الإلكتروني عن فئة الثقافة الإلكترونية على مستوى مملكة البحرين. بالإضافة إلى موقعي الشخصي فقد صممت ونفذت موقع (أسرة الأدباء والكتاب في البحرين http://www.bahrain-writers.com ) وحالياً أدير الموقع بتكليف من مجلس الإدارة.
الإنترنت تجربة جميلة يجب أن يخوضها المبدع ويتواصل معها لأنها المغامرة الجديدة التي تنتظرها كما وأنها التحدي الذي يجب أن يركبه حتى يواكب الإستهلاك المستشري مثل آفة في هذا الزمان. للأسف نحن كمثقفين ومبدعين لم نستغل هذه التقنية كما يجب ولم نستطع أن نمتطي هذا المنبر ونروضه لخدمة الثقافة والأدب وإيصال اصوت العربي للمدى الأرحب. أتمنى لو ينتفض أؤلئك الغافلون وينتبهوا لأثر هذه التقنية في نشر أفكارهم وكتاباتهم، وبل وتعديه إلى ترجمة أعمالهم ونشرها للقارئ الأجنبي.
* هل يغني التواصل الشبكي عن التواصل الفعلي؟
بالطبع لا؟ يظل التواصل الفعلي هو الأساس في تأسيس العلاقة الإنسانية. قد تبدأ إلكترونياً وتتوطد بالرسائل الإلكترونية والدردشة الكتابية لكنها في النهاية ستصل إلى اللقاء. يجب أن لا ننسى بأن التواصل الإلكتروني مجرد أداة، تقنية مهمتها تسهيل الإتصال لكنها لا تكون أبداً الهدف النهائي. أعرف أن العلاقات الجيدة عبر الأنترنت أوصلت إلى علاقات حميمة وأسوق هنا مثال حي هو الشاعر قاسم حداد الذي وسع له التواصل الإلكتروني حلقة أصدقائه تحتفي به أينما حل.
التواصل الشبكي يسهل أمور كثيرة كانت تسبب إشكالات عديدة منها المادي والرقابي والإجتماعي إلى آخره فضلاً عن المعوقات التي تشوب علاقاتنا العربية وتشتهر بها. يكفي أن مسألة النشر وإيصال المادة الأدبية أصبح في متناول اليد ولم يعد مشكلة مؤرقة.
* هل حقاً ما ينشر على الشبكة هو أدب بعيد عن معايير الأدب الحقيقية أو كما يسميه البعض (أدب نت)؟
من غير المعقول أن نعمم. بالطبع بيئة الإنترنت خلقت مناخاً ممتازاً للنشر الإلكتروني بسهولة متناهية وفي متناول الجميع حيث المجانية متاحة، ولكنها على الضفة الأخرى أخرجت لنا مواقع إستثنائية تديرها مؤسسات أو شخصيات نعرفها ونقدرها وتنشر ما دأبت على الترويج له من كتابة رصينة نعهدها فيهم. (أدب نت) موجود وهو مثل باب (صفحة القراء) في أي صحيفة يومية يكتب فيها من يشاء من القراء ويضع له المشرف على الصفحة ما يعجبه من مصطلحات لما يكتبه.
فضاء الأنترنت يتسع للجميع ولا نستطيع الحظر على أحد كما لا يجوز أن نعمم ظاهرة لينظوي تحتها الجيد والرديء .. أليس كذلك؟ الأسماء التي نعرفها تتواجد على الشبكة في المواقع التي تليق بتجربتها وهي مواقع معروفة للجميع مثلها مثل الدوريات والمطبوعات الورقية، وتؤثر هذه الأصوات إلكترونياً بصدى أجمل، وأحياناً يلعب الإنترنت دوراً رائعاً في نقل هذه النصوص لأكبر قدر من القراء والمتلقين بنقرة فأرة.
هناك أيضاً إيجابية غفلنا عنها وهي أن تقنية الإنترنت أظهرت جيلاً واعداً من الشباب لم تسعفه أمكاناته المادية في النشر الورقي فكان الإنترنت بمثابة المنقذ له عبر لإحتضانه في المواقع والمنتديات الرصينة.
* كيف هو المناخ الثقافي بالبحرين؟
أعتقد بأنه متوازن؟ فهناك العديد من المؤسسات الثقافية الناشطة على الساحة وأهمها على الأطلاق أسرة الأدباء والكتاب التي تبذل جهوداً رائعة في في سبيل تفعيل العمل الثقافي الأهلي ومؤخراً باتت تحصل على دعم قطاع الثقافة والفنون لأنشطتها وفعالياتها بمبادرة من رئيسة القطاع الشيخة مي آل خليفة. هناك أيضاً مركز الشيخ لإبراهيم آل خليفة الذي ينظم فعاليا متميزة يستضيف فيها خيرة من أقلام الفكر والإعلام العربي، وأيضاً الملتقي الأهلي الثقافي برئاسة الشاعر الكبير علي عبدالله خليفة له إسهام بارز على الساحة الثقافية.
هناك في الحقيقة الكثير من الفعاليات الثقافية التي تقوم بها العديد من المؤسسات والجمعيات راسمة بذلك مشهد ثقافي زاخر بالحركة والتنوع الفكري.
على صعيد الإصدارات باتت مجلات مثل (البحرين الثافية)، (أوان)، (ثقافات)، (إشراقات) و (كلمات) تكون لها رصيداً ملفتاً من القراء داخل وخارج البحرين في مشهد جميل يكمله نشاطات جامعة البحرين والملاحق الثافية الصحفية مثل (رؤى – جريدة الأيام)، (الخليج الثقافي – جريدة أخبار الخليج) و (الميثاق الثقافي – جريدة الميثاق).
* كيف هو الإسهام الشاب في هذا المناخ؟
في الحقيقة وتيرته بطيئة نوعما بسبب المناخ الإستهلاكي الذي يلف منطقة الخليج ويصرف الجيل الجديد عن الثقافة بإتجاه الثقافة البصرية (إنترنيت وفضائيات)، ورغم هذا البطء فأن هناك أصوات جميلة واعدة بدأت تتبلور من خلال النشر في الصحافة عبر الملاحق الثقافية أو في الندوات أو عبر الإصدارات الأولية. وقد أقامت مؤسسات مثل أسرة الأدباء والكتاب والملتقلى الأهلي أو الأندية الشبابية عدة ملتقيات بغرض إكتشاف هذه المواهب ورعايتها.
هناك أصوات جميلة أتذكر منها في الشعر: سوسن دهنيم، علي الجلاوي، حسين فخر، جاسم الحاجي، ليلى السيد، فاطمة محسن. أما في القصة فهناك أحمد المؤذن، حسن بوحسن، هناء مرهون. وهم يشكلون الدم الجديد للأدب في البحرين.
رامز النويصري.
ليبيا

