“ليلة دافئة” هي أول مجموعة قصصية يصدرها الكاتب الشاب جمال الخياط. وسنحاول في هذه العجالة أن نلقى ضوءا سريعاً على المجموعة. وحين نفعل ذلك مع قصاص جديد فإننا نضع في اعتبارنا عدة أمور رئيسية. لا نستطيع أن نضع المجهر النقدي الدقيق على المجموعة لأنها أساساً تبدأ. أنها محاولة من الكاتب لاكتشاف نفسه وطريقته. في ذلك فنحن نبحث معه عن اكتشافاتنا الخاصة ونرى إمكانية القاص للولوج في عالم القاص. أي إننا نرى المجموعة الأولى لجمال الخياط من منظار الاحتمالات التي تحمله من خلال نصوصها، وبالتالي بناء عليه نستطيع أن نقول إن هذا القاص يستطيع أن يتقدم أو يتراجع أو يراوح في مكانه في مجال القصة، وفي كلتا الحالتين لا بد من إيراد استشهادات وأدلة حقيقية. نحن نعتقد عن إيمان أن المواهب الكتابية في أي مجتمع لا تتوقف عند حدود أسماء، ولاتظل سفن الكتابة في مرافئها وحدها .. ومن هذا الاعتقاد نهجس أن تهاجمنا مواهب جديدة، وهذا أملنا وحين نلقي نظرة عامة على قصص المجموعة سنلاحظ التالي:
أولاً نكهة القصة:
هناك حدث ما يتحرك بإشكال مختلفة. القصة تنتقل بين الوصف والحوار الذي يمتاز بالسرعة. ولكن كيفية تركيب الحدث يصيب فيه الكاتب أحياناً وأحياناً لايوفق. الخبرة بطبيعة الحال لها تأثير كبير في دراية الكاتب بالتركيب.
ثانياً الأسلوب:
ينتقل بين النمط الواقعي المحدد المباشر والنمط الفنتازي. وهذا المزج اعتبره تميزاً خاصاً به. فالكاتب يستطيع أن يلعب بالصور بإتقان جيد، وهذا يحرك مخيلة القارئ. في أسلوب الكاتب هروب محبب عن اللغة الروتينية المكررة – هذه إمكانية تظهر في كتابته – إلا أنه لم يتحرر من الجملة المكررة الروتينية بشكل مطلق.
ثالثاً الأفكار:
جاءت في القصص متنوعة ولكن الكاتب لديه مادة فكرية تتيح له أن يبدأ الكتابة بنشاط.
رابعاً الخيال الفني:
حين نتحدث عن ذلك نربط الأمر بإمكانية الكاتب اللغوية، قلنا انه يستطيع أن يولد في ذهن القارئ صوراً جديدة هي بين الفنتازيا والرسم المباشر، ونقول أيضاً أن هذا الابتكار في اللغة يصاحبه ابتكار في الصورة الفنية.
خامساً اللغة:
هناك سلالة، تدفق في اللغة، أي لغته سهلة، سريعة الاتصال بالذهن من مثل قوله: “تمضي الأيام الصغيرة كما تمضي رقائق السحاب البيضاء مع نسائم الشمال الطرية. وفي إحدى تلك الأيام التي أضاعت مدار الزمن الضيق بإحزانه الثقيلة غنت الأشجار العجوز أغنية شبابية ملونة بالحزن الداكن فلم تألفه الطبيعة“. التشخيص والشخصنة ظاهرة في النص المكتوب صفحة 103 ويقول: “كم هو عجوز عم جاسم بفمه المزبد بلعابه الأبيض والذي لايبقى مغلقاً طوال النهار من النميمة والتثاؤب المستمر / صفحة 104″.
صورة ساخرة، ولغة بسيطة. ولكن لاتسير النصوص بهذا المنوال ففي القصص أيضا الكثير من الركاكة اللغوية.
سادساً التكوين:
في النص الأدبي بناء داخلي في النص الأدبي إيقاع، موسيقى، ومن أجل ضبط الإيقاع والموسيقى في النص يجب ضبط الجملة، أي أن تكون كلمات الجملة متناسقة موسيقى وإيقاعاً، متناسقة في الفكرة التي توردها الصور. يلي ذلك أن تتناسق الجملة مع الجملة التي خلفا وقبلها، يصبح النص بذلك في حالة جمالية واحدة توصل الفكرة بقوة وإيقاع جذاب. مثال في صفحة 131 يكتب جمال: “كل شئ يستعد في للصباح. الندى يكف عن التساقط وتنفرج أسارير السماء لتخلع عباءة السواد، العصافير تبدأ أغنية الفجر باستقلال عن صياح الديوك الذي يتعب آذانها الصغيرة. يتثاءب القمر لآخر مرة لتنفض السماء متثاقلة من خلف البحر. وتعلنها آلاف الديوك بصيحات جنونية.
ليحاول القارئ إعادة قراءة النص بعد أن يلغى الجمل المطبوعة بالأسود سنلاحظ أن هاتين الجملتين لاتتناسقان مع طراوة الوصف المقطوعة التي تشبه الشعر. إن كلمة “وتعلنها” وكلمتي “صيحات جنونية” فيهما نشاز إيقاعي مختلف عن موسيقي وإيقاع النص المذكور. وكذلك “صيحات جنونية” تتكرر في قصص كثيرة، في كتابات كثيرة فهما كما يقال كلمتان مستنفذتان خاصة إذا جاءتا بجانب بعضهما البعض. إن الخبرة في صياغة الجملة والاهتمام بالتكوين البنيوي في الجملة – كما ذكرت – يتقدم بالقص إلى الأمام، لأننا لوتتبعنا القصة لوجدناها عبارة عن مجموعة كبيرة من الكلمات والجمل .. تتخلل كتابة القاص جمال الخياط مثل هذه الجمل والكلمات التي تبدو نشازا في قلب النص.
في العموم نلاحظ على المجموعة أن القاص في أحيان كثيرة يصف الشئ أكثر من مرة. أو يطيل في وصف يجب أن ينتقل عنه بسرعة. القصة القصيرة لاتتحمل هذا الوصف الذي يتحول إلى “شرح“، كثرة علامات التعجب وعلامات التساؤل والسؤال. وهي تكون في غير صالح النص، أن التعامل مع هذه العلامات بدقة هي ضرورية فنية، فأحياناً تكتشف هذه العلامات – في غير أوانها – أو كثرتها. إن الكاتب قد عجز في استثارة خيال القارئ وأحاسيسه بالصور فاستعان بحيلة أو شئ جاهز هي علامات التعجب أو السؤال.
نلاحظ أيضا إن الحوار في القصص يختلط بالوصف في أحيان كثيرة. جملة القاص لها إيقاع سريع ولكن التكرار أو التشابه يضعف تأثيرها. للكاتب قدرة ملحوظة على إدارة الحوار وهو عنصر هام في القص. هناك محاولة تطل من خلال النصوص لاستحداث لغة وطريقة تقفز على الواقعية والسريالية أو تمزج بينهما ويلعب الخيال مع اللغة دورا بارزاً في تأسيس ذلك. هذا – اعتبره نمطا يجيده الكاتب ويستطيع أن يخلق من خلاله لغة وصورا تبتعد عن الموجود والمكرر والميت في اللغة والتكوين.
عبدالله خليفة
جريدة أخبار الخلي
العدد 3352 – يناير 1987م
