تدور أحداث هذه النصوص في أحياء مدينة (المحرق) العريقة، حيث تبرز شخصيات متنوعة تمزج بين الواقع والخيال، كما تمنح المهمشين صفات البطولة والقداسة، مما يثير التساؤلات حول الحد الفاصل بين الحقيقة والوهم. كما تضعنا في مواجهة المعاناة بإنكار وجداني عميق. تعكس المجموعة من خلال قصصها أجواء الحي القديم بتفاصيله اليومية وصراعاته النفسية، مسلطة الضوء على دور الخيال كوسيلة لمواجهة أوجاع الواقع وقسوته.
تعتبر مجموعة “رائحة الليل“ في العام 2004 للكاتب (جمال الخياط) محطة مفصلية في مسيرته الأدبية، حيث نال عنها المركز الأول في جائزة الكتاب المتميز في البحرين في دورتها الأولى. تمثل المجموعة انتقالاً حاداً من الأسلوب التقليدي الذي ميز بداياته إلى فضاءات التجريب والغرائبية و فضح الواقع عبر المخيلة.
تتمحور المجموعة حول تذويب الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم، إعادة صياغة الواقع عبر فلسفة الحلم، تجسيد الفقد والإنكار من خلال شخصيات ترفض الاعتراف بالنهايات المأساوية.
يحضر الوهم ويتلاقى مع المعجزات في نسق يومي حيث يفرض الخيال سلطته على الواقع من خلال الاغتراب والنبذ. وبين كل ذلك يظهر الهم الوطني والمقاومة حيث يمتزج الهم الشخصي بالوعي القومي المتأثر بالرموز. أما المكان فهو كائن حي من خلال البيئة المحلية في المحرق، كعنصر فاعل يمنح الخرافة رونقها.
خلاصة القول؛ مجموعة “رائحة الليل” هي محاولة فنية لإعادة خلق الواقع عن طريق الفنتازيا، حيث يصبح الخيال وسيلة للمقاومة والحفاظ على كرامة الإنسان في مواجهة القسوة والتهميش.
الصراع بين الواقع والخيال :
تناولت مجموعة “رائحة الليل“الصراع بين الواقع و الخيال ليس بوصفهما ضدين متنافرين، بل كعالمين متداخلين يذوب بينهما الفارق الهش و الحدود الفاصلة، بحيث يصبح الخيال وسيلة لإعادة صياغة الواقع أو الهروب من قسوته. ويمكن رصد مظاهر هذا الصراع من خلال المحاور التالية:
- فلسفة “الواقع المزيف” مقابل “الحلم الحقيقي“:
يبرز هذا الصراع بوضوح في شخصية “فرحان“، الذي يطرح فلسفة مفادها أن الواقع المعاش قد يكون هو المزيف لأنه مفروض بالظروف، بينما الحلم هو الواقع الذي يختاره الإنسان لكي يعيشه. يضع الكاتب المتلقي أمام تساؤل جوهري حول (الخيط الرفيع بين الواقع والخيال)، وكيف يمكن للحلم أن يكون أكثر صدقاً من اليقظة في التعبير عن الذات. وفي قصة “لعنة الأبواب“، يرى الأب الواقعي أن الباب الموصد مجرد قطعة خشب خلفها جدار من الطوب، بينما يرى الابن من خلال الخيال عالماً مضيئاً ولقاءات مع أشخاص غادروا الحياة.
- مواجهة انكسارات الواقع بالبطولة المتخيلة:
استخدمت القصص الخيال كأداة لترميم الواقع البائس ومنحه صبغة أسطورية. ”مرزوق السويكت“ يظهر الصراع هنا بين روايتين؛ الأولى واقعية (مخجلة) تتحدث عن موته بسبب إهمال الغرغرينا، والثانية خيالية (بطولية) ينسجها فرحان حول غواص فقد ساقه في صراع مع سمكة قرش لاستعادة لؤلؤة ثمينة لكي يهبها للفقراء. يهدف هذا التناول إلى جعل الخيال أجمل من الواقع وأقدر على حفظ كرامة الإنسان.
- تجسيد الأوهام وفرض الخيال على البيئة:
في قصص المجموعة، لا يكتفي الخيال بالبقاء داخل الذهن، بل يقتحم الواقع المادي ويغيره. في قصة (الأيام الأخيرة لبائع الكيروسين) يرفض الجد ”الحاج جاسم“ واقع موت حفيده “ناصر“، فيخلق خيالاً يعيش معه في البيت. المدهش أن هذا الخيال يبدأ في التأثير على الجيران الذين يبدؤون برؤية الحفيد والتعامل مع ظهور “معجزات” ناتجة عن هذا الوهم، مثل الكيروسين العجيب الذي يتوهج لأيام طويلة. يصل الصراع هنا إلى مرحلة “اليقين الخيالي” الذي يكذب الحواس والواقع الملموس.
- القدرات الغرائبية في قلب اليومي الرتيب:
يتم تناول الصراع من خلال زرع عناصر اللامعقول في تفاصيل الأحياء الشعبية البسيطة. أبطال القصص يمتلكون قدرات خارقة تتحدى منطق الواقع، مثل الرجل الذي يبتلع عاصفة مطرية لينقذ مدينته، أو المرأة التي تحول أصابعها إلى شموع مشتعلة لإنقاذ قطة، هذا التداخل يجعل القارئ يتساءل عما إذا كانت هذه الأحداث حقيقة فنية داخل النص أم هي مجرد تجليات لحالات نفسية مكبوتة.
- الخيال كـتطهير وفضح للواقع:
انتقل أسلوب الخياط من “سطوة الذهن” والمنطق إلى “قيادة المخيلة“، حيث يستخدم الغرائبية لفضح بشاعة الواقع لينتهي الأمر بالوقوع في فخ مأساوي يتداخل فيه الحلم بالواقع بشكل مميت. الصراع ليس صراعاً للإقصاء، بل هو علاقة جدلية يستخدم فيها الخيال لترميم تشوهات الواقع، ويُستخدم فيها الواقع كمنطلق لإعطاء الخرافة مصداقيتها وحرارتها.
الصراع بين السلطة والحرية؟
جسدت المجموعة الصراع بين السلطة والحرية من خلال تصوير “الأب” كقوة قاهرة تسحق إرادة الفرد وتصادر حقه في الاختيار، مما دفع الشخصيات إما إلى الانكسار الجسدي أو الهروب نحو عوالم الخيال. ويمكن تفصيل هذا التجسيد من خلال النماذج التالية:
- السلطة كأداة للتعذيب الجسدية):
تعد قصة (نغمات حزينة موسيقية) أقصى تجليات الصراع، حيث يمارس الأب (الحاج إبراهيم) سلطة مطلقة ومقدسة بدعوى تقويم الاعوجاج من خلال القسوة المفرطة، استلاب الكرامة وتواطؤ الصمت حيث تبرز السلطة الأبوية هنا كقوة لا تُرد، حيث تكتفي الأم بالبكاء سراً، بينما يظل الابن الأصغر عاجزاً عن التغيير، مما يبرز شمولية القمع الأبوي داخل الأسرة.
- السلطة كعنوان زائف وتناقض أخلاقي:
يظهر الصراع في قصة (تضاريس الفجر الأسمر) من خلال التمرد اللفظي والنفسي للبطل “محمود” تجاه والده، ازدواجية المعايير”لماذا يأمرنا الكبار باجتناب ما يستبيحونه لأنفسهم؟“، ونزع الشرعية.
- التحكم في المستقبل والمصير الشخصي:
في قصة (القرمزي الباهت .. جداً) تأخذ السلطة الأبوية شكلاً أكثر نعومة لكنه لا يقل قمعاً، حيث تتحكم في المسارات الفكرية والمهنية للابن من خلال مصادرة الاختيار حيث يدفعه والده للدراسة على عكس رغبته. هناك أيضاً الحماية كقيد حيث تُمارس هذه السلطة تحت غطاء “الحماية“، لكنها تنتهي بجعل الابن يشعر بأن والده والظروف قد جعلوا حياتهم مثل “جرذان تدور خائفة في المصيدة“.
- الصدام بين المادية والحرية الإبداعية:
يجسد الصراع بين “الأب” وإرث “الجد” في قصة (لعنة الأبواب) صراعاً بين رؤيتين مختلفتين ومتناقضتين للحياة، حيث الواقعية القامعة التي يمثلها الأب من خلال سلطة تحتقر الخيال والجمال، والخيال كملاذ للحرية والتي يجسدها الحفيد في انحيازه الواضح والأمين لعالم الجد، معتبراً أن الأب “ليس رجلاً” حسب مواصفات الجد لأنه لا يفقه لغة الجمال ويحتاج لتحطيم إرث الموتى ليشعر بالانتصار.
خلاصة القول: إن السلطة في المجموعة هي “لعنة” تلاحق الشخصيات، وتحول البيوت إلى “سجون كبرى“. وتتجلى الحرية في هذه القصص إما كفعل تمرد فاشل ينتهي بالانكسار، أو كهروب داخلي نحو الحلم والوهم كآلية وحيدة للبقاء والمقاومة ضد واقع “مشبع بالعنف والغطرسة“.
هل نعتبر الفنتازيا في (رائحة الليل) وسيلة للتمرد السياسي؟
نعم، أن الفنتازيا والغرائبية في مجموعة “رائحة الليل” وفي تجربة (جمال الخياط) عموماً لم تكن مجرد ترف أدبي، بل كانت وسيلة للمقاومة والاحتجاج والتمرد على الواقع السياسي والاجتماعي المفروض. ويمكن تفصيل هذا التمرد من خلال النقاط التالية:
- الفنتازيا كأداة لفضح الواقع:
يرى النقاد أن الخياط استخدم الصور الغرائبية و”الوحشية” ليس لتجميل الحياة، بل لمجابهة الواقع وفضح بشاعته. هذا النوع من الكتابة يهدف إلى فتح آفاق تعبيرية لا يطالها القول الذهني المباشر، مما يمنح الكاتب حرية أكبر في نقد السلطة والواقع دون السقوط في فخ المباشرة الفجة.
- مواجهة السلطة الاستعمارية:
تظهر الفنتازيا كوسيلة لإعادة الاعتبار للكرامة الوطنية في مواجهة الاستعمار، ففي سيرة ”مرزوق السويكت“ تتحول الشخصية عبر الخيال إلى بطل أسطوري يواجه ”المستشار“، إشارة للمستشار البريطاني، بـ “لؤلؤة” اصطادها لبيعها وإطعام الفقراء، تعبيراً عن عناد الشعب. وفي قصة (الأيام الأخيرة لبائع الكيروسين) يمتزج الخيال بالواقع السياسي، حيث يُصور “ناصر” كشهيد سقط في غمرة المظاهرات العمالية، وقتال المستعمرين، ثم يعيده الخيال للحياة كرمز للبعث والمقاومة المستمرة في أحياء (المحرق).
- التمرد على الواقع المزيف بالخيال:
تطرح المجموعة فلسفة سياسية واجتماعية من خلال شخصية “فرحان“، الذي يرى أن الواقع مزيف فرضته الظروف أو قوى تمتلك النفوذ. هنا تصبح الفنتازيا والحلم هما “الواقع الحقيقي” الذي يختاره الفرد للتحرر من سطوة تلك القوى النافذة، مما يجعل الخيال فعل تمرد ورفض للتبعية.
حضور الزمان في نصوص مجموعة (رائحة الليل).
يبرز الزمان في المجموعة كعنصر فني ونفسي معقد، يتجاوز كونه مجرد إطار للأحداث ليصبح أداة للمقاومة، وفضاءً للخرافة، ووسيلة لتفكيك الواقع القمعي. ويمكن تفصيل تجليات الزمان في المجموعة من خلال المحاور التالية:
- الليل كفضاء للتحرر والخرافة:
يعد الليل هو الزمان المركزي الذي يمنح المجموعة هويتها وعنوانها، وهو الوقت الذي تنشط فيه المخيلة وتتخلق فيه الحكايات، سواءً من خلال طقوس المساء الذهبي عند هطوله المساء في توقيته الذهبي أو هروبه من قذارة النهار.
- الزمان التاريخي والسياسي (زمن الانكسارات):
ترتبط النصوص بلحظات زمنية فارقة في تاريخ الوطن مما يعطي للسرد أبعاداً واقعية وتوثيقية، زمن الاستعمار والمقاومة، الزمن القومي، مما يربط الخرافة بذاكرة الجماعة الشعبية.
- الزمان الراكد والانتظار القاتل:
يظهر الزمان في بعض القصص كقوة قاهرة تحول الحياة إلى مستنقع من الرتابة أو العذاب، فهناك الزمن كعقوبة كما في قصة “نغمات غير موسيقية“، يتحول الزمان إلى عقاب فيزيائي؛ حيث يظل “عمران” معلقاً في خطاف لفترة طويلة من الزمن، مما أدى إلى دخوله في “دوامة الشيخوخة” المبكرة وهو لا يزال شاباً.
- جدلية الماضي والحاضر (الزمان المستعاد):
تحاول الشخصيات إيقاف الزمن أو استعادة ماضٍ مفقود لمواجهة حاضر بائس، فـ “الحاج جاسم” هو الرمز لـجذوة الماضي التي توشك على الانطفاء، حيث يرفض الاعتراف بموت حفيده ويصنع له حيوات موازية في الحاضر عبر الوهم. كما تستدعي بعض القصص عبق الماضي وأمل الأيام الحلوة لترميم انكسارات الشخصيات المهمشة، أو كما يمكن تسميته الحنين للبطولة:
- الزمان الفلسفي (وهم اليقظة وحقيقة الحلم):
يطرح الكاتب رؤية للزمن تعتبر أن الزمان الذي نختاره في أحلامنا هو “الزمان الحقيقي“، وأن “الواقع المعاش هو واقع مزيف فرضته الظروف“، بينما الزمان الذي يعيشه في حلمه هو حقيقته المطلقة، حسب مفهوم شخصية ”فرحان“. يؤدي هذا التداخل إلى جعل الزمان دائرياً؛ حيث يتداخل موت الشخصيات مع بعثها كما في شخصية (ناصر)، ونقاشات الموتى مع الأحياء (الجد والحفيد في قصة الأبواب).
خلاصة القول؛ الزمان عند الخياط هو الإرتحال من ضيق الواقع إلى اتساع المخيلة، وهو ليس زمناً خطياً مستقيماً بل هو مزيج من الذكريات، الكوابيس، واللحظات التاريخية التي تشكل هوية “المحرق” وإنسانها.
حضور المكان في نصوص مجموعة (رائحة الليل).
يعد المكان في المجموعة عنصراً حيوياً يتجاوز كونه مجرد إطار للأحداث؛ فهو بمثابة “كائن حي” يمنح الحكايات الخرافية “رونق القصة الواقعية“، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية والذاكرة الجمعية لأهالي (المحرق). ويمكن رصد حضور المكان وتجلياته في المجموعة من خلال النقاط التالية:
- مدينة المحرق هي المركز والروح:
تعتبر مدينة (المحرق) بطلة السرد الأساسية، حيث تدور معظم القصص في أحيائها القديمة وأزقتها الضيقة، مثل: (الصنقل، سيادي، البنعلي، المحميد، العمامرة وفريج البوخميس)، حيث يظهرون كفضاء مركزي تنطلق منه السيّر، وحيث تذوب الحدود بين الواقع والخيال عند المساءات، وهي أيضاً أماكن مأهولة بالذكريات والقصص الشعبية. ترتبط هذه الأمكنة بالهوية الفنية والاجتماعية، فـ (حي العمامرة) يُعرف ببيوت الطرب الشعبي، بينما شهد (حي البوخميس) مواقف الاحتجاج ضد المستعمر.
- المعالم الأثرية والشعبية:
استخدم الخياط معالم حقيقية لتعزيز مصداقية الأحداث الغرائبية، مثل القلعة الأثرية كفضاء مثالي لطقوس البوح المحموم، سوق القيصرية الذي يمثل نبض الحياة اليومية، وفيه تحدث معجزات الأبطال الخارقين، مثل المرأة التي تشعل أصابعها لإنقاذ قطة، مقبرة البساتين مكان له هيبة خاصة، حيث يمتزج فيه الموت بالبعث الخيالي، كما في قصة (ناصر) الذي “عاد” ليجاور جده.
- الفضاءات المفتوحة (البحر والساحل):
يمثل البحر في نصوص الخياط فضاءً للبطولة والمجهول، فهناك ساحل فرضة المحرق وساحل أبو صبيع كأماكن للصيد والمغامرة واستعادة اللؤلؤ الذي يرمز لعناد الشعب، بحيرة عراد كمكان للتأمل وانتظار المستحيل، حيث يجلس (الحاج جاسم) مع صديقه الأعمى ليواجها واقع فقدان الحفيد.
- الفضاءات الضيقة والمغلقة:
تُستخدم هذه الأمكنة لتصوير الحالات النفسية المأزومة، الأزقة الضيقة توصف بأنها “أفعى تلتف” أو ممرات “لا تسمح إلا بمرور جسد واحد“، مما يعكس حالة الحصار الاجتماعي أو السياسي، أما السطح فيمثل مكاناً للتطهر والهروب من قذارة الواقع النهاري نحو طهر الحلم الفجري، المخزن والباب الموصد يرمزان للأسرار العائلية والذاكرة المكبوتة، حيث يتحول الباب كما في قصة “لعنة الأبواب” إلى كائن يعاند السلطة الأبوية.
- جدلية المكان القديم والمكان الحديث:
يبرز صراع بين (المحرق) القديمة بأزقتها وحميميتها وبين المدن النموذجية أو “بلاد الصحراء“، اذلك نجد أن الشخصيات ترفض الانتقال إلى المدن الحديثة، معتبرة أن (المحرق) هي “سجنها الجميل“، بينما المدن الجديدة هي مجرد ”سجون حقيقية” تفتقر للحياة. كما يُوصف المكان الحديث أحياناً بأنه “مصيدة” تحول البشر إلى “جرذان تدور خائفة“.
خلاصة القول؛ المكان عند (جمال الخياط) ليس مجرد ديكور، بل هو “مخزن للأوهام واليقين“؛ حيث يستمد قوته من روائح الليل وعبق الماضي ليخلق واقعاً فنياً يواجه به قسوة الحاضر وتهميشه.
كيف نقرأ الشخصيات في نصوص مجموعة (رائحة الليل)؟
تُقرأ الشخصيات في مجموعة “رائحة الليل” بوصفها كائنات مأزومة تعيش في “مستنقع” الواقع الرتيب، لكنها تحاول الانفلات منه عبر المخيلة والغرائبية؛ فهي ليست مجرد شخوص عادية، بل هي نماذج إنسانية محملة بأبعاد أسطورية ونفسية واجتماعية حادة. ويمكن تحليل كيفية رسم وتقديم هذه الشخصيات من خلال المحاور التالية:
- الشخصية “الخرافية” والمُعادة الصياغة:
شخصية ”فرحان“ هو المثال الصارخ للشخصية المركزية التي تقود السرد في المجموعة، ويُقرأ كـ “حاوٍ” أو “ممثل محترف” يمتلك جسداً مطاطياً وحركات مسرحية مدروسة. لا يكتفي فرحان بنقل الواقع، بل يعيد صياغة الشخصيات المهزومة مثل ”مرزوق السويكت“ لغرض ترميمها في نظر الناس فيحولها من “مهمشة” إلى “بطولية وقديسة“. كما يطرح ”فرحان“ رؤية للشخصية ترى أن الحلم هو “الواقع الحقيقي” الذي يختاره الإنسان، بينما الواقع المعاش هو مجرد “زيف” فرضته الظروف.
- الشخصية “المهمشة” والباحثة عن الطهر:
تُقدم شخصية ”عّباس“ نموذجاً للاغتراب الاجتماعي التام بسبب مهنته (تنظيف البالوعات). يُقرأ ”عّباس“ كشخصية تعيش في “لذة القذارة” نهاراً، لكنها ترتقي إلى السطح ليلاً لتطهير روحها عبر حلم طاهر بـ “أميرة فاتنة“، وهو ما يسمى بـ (ازدواجية الواقع والحلم). تعاني الشخصية من نظرة المجتمع التي تحصره في “الرائحة الكريهة“، مما يجعله يجد في “حماره الوفي” الصديق الوحيد الذي يصدق أوهامه، وهو نوع صارخ من النبذ الاجتماعي.
- الشخصية “الضحية” للسلطة الأبوية:
تُجسد شخصية ”عمران“ في قصة “نغمات غير موسيقية” أقصى درجات الاستلاب والتحطيم الجسدي والمعنوي. يُقرأ ”عمران“ كجسد معلق في خطاف برونزي، حيث تكفلت السنوات الطوال بتجريده من آدميته وبالتالي فقد قدرته على النطق. كان ذلك عقاباً على تمرده وانحرافه. حضر الصمت هنا كفعل مقاومة فقد التزمت الشخصية بالصمت التام، مما جعل جسده الميت إكلينيكياً يتحول إلى “أيقونة” أثارت فضول الحي وأحرجت كرامة الأب.
- الشخصية “المقاومة” للفقد:
يُمثل ”الحاج جاسم“ جذوة الماضي التي ترفض الانطفاء أمام قسوة الحاضر والموت، فهي الاعتراف بموت الحفيد ”ناصر” في المظاهرات، فتعيده للحياة عبر “وهم” تفرضه على البيئة المحيطة، لدرجة تحويل “الكيروسين” العادي إلى مادة “معجزة” تتوهج لأيام. يُقرأ ”الحاج جاسم” من قبل الناس كصاحب كرامات ومعجزات، مما يعكس حاجة الجماعة الشعبية للخرافة لمواجهة الانكسارات السياسية والاجتماعية.
- الشخصية “المتمردة” والتناقض الأخلاقي:
تُقدم شخصية ”محمود” في (تضاريس الفتى الأسمر) نموذجاً للتمرد العنيف والناقم، فهو يرى أم والده لا يستحق لقب (الأبوة)، وسافلاً مهووساً بالعنف، ويستخدم التدخين كأداة لإثبات رجولته في مواجهة سلطة الأب المزدوجة المعايير. يتسم خطابه بالرعونة واستخدام المفردات القوية، مما يعكس حالة الحطام النفسي التي يعيشها جيل يشعر بأن واقعه “مصيدة“.
- الشخصية ”المنكسرة“:
تظهر الشخصيات النسائية غالباً في حالة من الفقد والانكسار أو الهروب من “عار” اجتماعي. ”عشبة“ : تُقرأ كطفلة “هدية للشيطان” تحمل إثم أمها الهاربة وغرابة أطوار أبيها السكير، وتعيش في صراع مع “سواد المسقبل” الذي يقرأه لها العراف.
خلاصة القول؛ الشخصيات في “رائحة الليل” هي كائنات أسطورية تتشكل ملامحها من مزيج من “روائح” الواقع الكريهة و”رونق” الحكاية الخرافية؛ فهي إما شخصيات تطمح للبطولة عبر الوهم، أو شخصيات مسحوقة تحت وطأة واقع “وحشي” لا يرحم الضعفاء.
ماذا يريد الكاتب أن يقول؟
يهدف الكاتب من خلال نصوصه، إلى تقديم رؤية نقدية وفلسفية عميقة للواقع المعاش، مستخدماً الخيال كأدوات لتعرية هذا الواقع وإعادة بناء كرامة الإنسان فيه. لا يسعى (جمال الخياط) إلى تجميل الواقع أو محاكاته بشكل سلبي، بل يريد “فضح الواقع“.
يسعى أيضاً إلى إعادة الاعتبار للشخصيات المهزومة والمهمشة. فهو يستخدم السرد الخرافي لتحويل النهايات البائسة إلى سيّر بطولية تحفظ كرامة الإنسان وتمنحه خلوداً فنياً أجمل من الحقيقة.
كما تحمل نصوصه رسالة احتجاجية حادة ضد مختلف أشكال السلطة التي تصادر حريات الإنسان حيث يحرص على ألا يتحول العقاب إلى أداة لسلب الآدمية.
كما يريد الكاتب أيضاً أن يمارس ضرباً من “التطهير” لتجربته الفنية، عبر تدريب المخيلة على التحرر من قيود المنطق والذهن. هو يرى أن الأديب يجب أن يرقب الحياة “بحساسية” ويقتحمها لإعادة صياغة العالم بشكل فني يكسر رتابة السكون.
يريد الخياط التأكيد على هوية المكان (المحرق) باعتباره مرتعاً الحنين. المكان عنده ليس مجرد جماد، بل هو كائن حي يستمد قوته من حقائق الحاضر وعبق الماضي ليواجه به القسوة الحاضر والتهميش اللذان يطالان أصحابه.

