مع جمال القاص والروائي الذي بقدر ما أغبطه في هدوئه بقدر ما أحسده على برود أعصابه وهو الذي كثيراً ما رسمت على شفتيه ابتسامة، كنت أسرقها وأسرف في مغازلتها، حباً في أدب شخصه الذي احتضنه فيه. انشغالاته أحياناً تبعده عن أصحابه، ولكن عندما تجمعك به فرصة ما، يكون الحديث على ضفتيه، سفينة عابرة من مدينة المحرق إلى مدينة المنامة، زادها الالتقاء بالمحبين. وعبر حوار صريح اقتنصته معه وهو منشغل بهموم يومه وبحبر لم يجف من أصابعه، داهمته قائلاً:
بطاقتك العمرية يا جمال تقول إنك من مواليد مدينة المحرق عام 1958م فماذا يعني لك المكان من المحرق؟
المكان بالنسبة لي، ذاكرة مخزونة، ومستودع استلهم منه ما أريد، فهو كون من البشر، والحالات التي تكتظ بصراعها، وحبها الذي يربطها بسرة المكان. فالمحرق بالنسبة لي تاريخ، عرفتُ من خلاله نماذج عديدة، أصبحت أجاورها وأبني معها علاقتي الحميمة، لبشر هم من الناس أحبهم، واستظل بعناقهم، عبر توظيفي لهم في أعمالي القصصية والروائية، وأعتقد مثل مدينة المحرق تستحق أن نعطيها نحن الكتاب عناية أكبر ونصلها بالعالمية، فهي تاريخ لاينضب، لها من الشواهد ما يعزز كلامي .
عبر توظيفك السردي لمدينة المحرق، كيفت جعلت من هذا البناء ذاكرة تتجدد ؟
هي المدينة بما تحتويه من إرث وتاريخ فرضت عليّ كل هذا الحب نحوها، بصداقات أهلها وعلاقات مع رموزها والشخصيات التي ارتبطت باسمها، كلها مجتمعة، عرفتني بأهمية هذا المكان العريق من المحرق، الذي كلما كبر العمر في حبها رجع صغيراً يلعب في شوارعها الضيقة وبيوتها العريقة، ذات الدلالات التراثية، التي أصبحت اليوم بفعل المهتمين بحـــــبها مزارات ثقافية تزار في أكثر أيام الأسبوع .
مانوع هذا الصداقات التي بنيتها ؟
بنيت مع بعضها صداقات، جمعتني بينهم موائد من الحب والعلاقات الحميمة، فافترشوا بساطاً من الذكريات في شخوص أبطال قصصي ورواياتي، وبعضهم عرفته كظلال لازمتني مستلهماً ذاكرتي، بما حوته من اكتظاظ حياتي بحوادث وعلاقات وشواهد تحدثتْ عن هذه المدينة، كون بعض هذه الشخصيات موجودة بالفعل وتعيش بيننا وأخرى رحلت وخلفت لنا ذكرياتها التي ارتبطت بشاهد عصر، استهوتني الكتابة عنه.
ما الذي يأسرك من السرد؟
الذي يأسرني من من هذا السرد، هي القصة القصيرة، فهي بالنسبة لي المجال الأرحب والأوسع، بحيث أبحر مع هذا الفن بشخوص أتفاعل معها وأقترب منها كثيراً، أحس بوجعها وبحبها وبفرحها وبحزنها، فبالتالي أميل إلى كتابة القصة القصيرة أكثر من ميلي لكتابة الرواية، وخصوصاً إن القصة القصيرة يستطيع فيها المؤلف أن يمسك بخيطها التقني في ظل شخوصها الفنية، والقصة بالنسبة لي فن صعب يحتاج إلى من ينتمي لها إلى دراية تمكنه من معرفة مخارجها الفنية وخيوطها التي تشكل ظلالها التقنية في العمل الأدبي، وهي بالنسبة لي متعة وتحد مع الذات في اكتشاف البشر، وسبر أغوارهم الإنسانية والاجتماعية والسيكلوجية، فهي عالمي الذي أنتمي إليه، وأحمل عبره كل مشاعري وكل أحلامي، فأستريح في ضيافتها ( أي القصة القصيرة) لحظة أكون فيها متوتراً.
يرى الكثير أن السرد قد انحسر على حساب الشعر؟
اتفق مع هذا الرأي، لأنه المشهد الشعري بالفعل طاغ على المشهد السردي.
ماهي الأسباب؟
أعتقد أن من أهم الأسباب استسهال الكثير كتابة الشعر، وأن المزاج العام يميل إلى الشعر أكثر من ميله للسرد، ولا أرى هذا الانحسار محدد على البحرين وحدها، لكنه على مستوى الخليج والوطن العربي عموماً، ونتيجة لظهور وسائل النشر التقنية هي من أشد الوسائل رواجاً لنشر مثل هذا الاستسهال، في المقابل بروز بعض الأصوات التي تنادي بشعرية السرد، كل هذه مجتمعة ساعدت على تأخر السرد وبروز الشعر.
هل أنت مهووس باللغة؟
لا لستُ منهم، وأعتقد أن أي عمل تحدد قيمته الإبداعية روح المضمون، والمضمون هو الذي يحدد شكل كتاباتي والدليل روايتي ”الكائنات” والتي ستصدر عن دار الانتشار، بشكل نص حداثي، في المقابل هناك عمل كلاسيكي سيصدر لي عن قريب عن الكتاب المشترك والمسمى ”سماء بعيدة المنال” مجموعة قصصية.
نتاجك للقصة القصيرة أكثر منها لنتاجك للرواية ما هي الأسباب؟
لأني قلت في سياق الحديث، ميلي لكتابة القصة القصيرة يعطيني شعوراً خاصاً قد لا أكتشفه في الرواية، لكن كلا الأدبين له ماهيته الخاصة ولغته الخاصة والمؤثر الخاص في نفسي، لكن تبقى القصة القصيرة عالمي الأجمل.
ما تعلل بروز أصوات عديدة في الشارع الثقافي على أخرى أكثر منها إبداعاً؟
أرى أن الشارع الثقافي تحرك في السابق بشكل مجموعات من الرموز، والآن يتحرك الشارع بمجموعة من المواقف، وبين هذين الاتجاهين قد مر الشارع الثقافي بالعديد من الإخفاقات والعديد من النجاحات، لكن ظل عدد كبير من المثقفين وأنا منهم بعيدين عن إشكالايات هذه المجموعات التي في اعتقادي مؤدلجة، وأنا لا أرى نفسي اصطف في طابورها.
إذاً من موقعك كروائي وقاص معروف ماذا تقول لهؤلاء؟
قول رغم بعدهم نحن بحاجة لهم كرموز لا كأيدولوجيات، تجمعني بهم ألفة الروح وصلابة الوطن، إرهاص يتشكل في مساحات حالمة هم ونحن معاً نثري شارعنا الثقافي بالورد. وأتمنى أن تقرأ التجارب بعيداً عن صاحبها، وأعتقد بأن الوسط الثقافي بحاجة إلى جلسة مصارحة، متمنياً أن يعود الوضع الثقافي إلى ما كان عليه متوهجاً، وأن الرموز ترجع وتكون أكثر فعالية لأننا في نهاية المطاف بحاجة إليهم، وبحاجة أن نتعامل بحب.
ويظل هذا المتشظي بحلم المحرق، وبحلم الشارع الثقافي، يكشط كل يوم جرح ذاكرته، يعلم ”الفسيل” عن ساقية الروح، في وطن تكتمل فيه (الرسالات) وتشتعل الأسئلة. جمال الخياط (قاب قوسين أو أدنى)، جسر يمد من لغته السردية، ويحلم بالمدينة الفاضلة.
علي الستراوي.
جريدة الوطن البحرينية
1 أغسطس 2007م

