– 1 –
يسير وحيداً في هذا الليل الموحش، والسواد الحالك أعطاه جواز سفر إلى مدن الخوف التي تتخذ حدوداً جغرافية، خرافية! لكنه شغل نفسه الخائفة بدندنات خفيفة من أغنية عاطفية؛ أغنية كفيلة بأن تخرجه من وساوسه اللامتناهية، ومن هذه الموسيقى الجنائزية الحزينة، سيمفونية الفزع التي يتغنى بها الليل. لم يستطع أن يتذكر فاتهم ذاكرته بالخيانة العظمى. لم يستطع أن يتنفس وأحس أنه يكاد يختنق.
ركض مسرعاً حتى وصل إلى مصباح قريب في الشارع العام، الآخر. تنفس الصعداء. بدا شاحب الوجه تحت ضوء المصباح الخافت وقطرات العرق تتصبب فوق جبينه. تعيد ذكرى الندى مع أن الجو كان بارداً. وعندما بدأ يمسح عرقه أثار انتباهه صوت غريب لم يدغدغ أذنيه قادم نحوه. أنصت لبرهة ثم صاح بتشنج حتى كادت حنجرته المتصلبة تتمزق:
– من؟! من؟!
ولم يكن الصوت القادم من الظلام غير قطة خائفة! مِمَّن؟ لا يدري. لكنها أعلنت الرفض القاطع بمواء لا ينقطع ولا يتوقف على هذا التهجم السافر من الليل على بكارة الطمأنينة! القاسم بينهما مشترك، ثم سارا الدرب سوياً وهو لا يزال يشغل نفسه بدندنات خفيفة من أية أغنية تخرجه من مدن الخوف. في غمرة من غمرات التفكير اطمأنت القطة وهو يتدثر إلى أجل غير مسمى بثياب الفزع الرمادية!
ها قد جاءت الثورة! ثم يركض باتجاه قرص الشمس حتى يبايعها على الثورة، ولكن عند الغروب يحقد على النهار ويرتحل من جديد إلى مدن الخوف! وفي كل ليلة يكون الرفيق أحد المنبوذين والمبعدين عنوة عن دائرة الطمأنينة!
– 2 –
كالمعتاد داهمه الصباح بخيوطه التي لم تعد – في نظره – ذهبية، وهو قابع في دائرة الروتين التي لا تنتهي! يقتله كسهام إفريقية ذلك السأم الأبدي الموحش بكفٍ غاضب مليء بالدمامل. لفافة السيجارة قاربت أن تخرق شفتية، وعيناه الزئبقيتان تجولان تبحثان عن قارب نجاة في هذا البحر الواسع، وعندما ترجعان من التجوال ترميان بالخيبة جانباً وتعدان التفاؤل بلقاء قريب!
ماذا يفعل؟! وكل الأوهام التي قد لا يتصورها العقل اجترها في تفكيره لمدة طويلة، ساعات وساعات. حتى الأحلام أوقفته على الرصيف الوردي! طأطأ برأسه مثل نعامة هاربة من لا شيء. دفن رأسه في اللاشيء أيضاً وتساءل في أعماق نفسه:
(هل سيأتي ذلك اليوم الذي يحملني فيه المجهول حقائبه، وأدخل صراعاً أبياً أعرف أن نهايته الرحيل إلى اللاشيء؟!)
اصطنع الكآبة فلم يستطع وتساءل ثانية:
(أهي جريمة كبرى الابتسامة في مدن الأحزان؟!).
همس إلى نفسه المهشمة كشظايا الزجاج:
(هل يقيمون المشانق للابتسامة إكراماً للزيف الذي يُدعى زمناً؟!)
ومن غير أن يدري استنشق ابتسامة فضاعت الأحاسيس هرباً من أزمنة الاضطهاد.
– 3 –
يحدق طويلاً في الوجوه التي اكتست صدأ السنين. لا يجد رغبة فالجميع تعب من رحلة السنين. أطرق بتفكير ثم حزم حقائبه وسافر بعيداً إلى صديقه الوحيد، الخيال. ما زال ملوثاً بدماء الماضي ومتسخاً بنجاسة الزمن الذي خلع عباءته وتعرى حتى من ورق الزيتون. ما زال يكنس الأوساخ التي تراكمت منذ كان يجهل أنها نجاسة! قد كان يصلي! لكن ماذا عن النجاسة؟! يهمس إلى نفسه:
(لولا الخطايا ما خُلقت المغفرة)
يصحو على صرخة أحد زملائه في العمل:
– أين كنت البارحة بعد صلاة العشاء؟
– بعيداً مع الماضي.
– كنت وحيداً كعادتك.
– لم ينقصني يا عزيزي إلا أن أكون وحيداً، ومستيقظاً.
خلع نعليه ونام بعمق وكأنه نسي شيئاً أراد استرجاعه. استيقظ ليجد إقالته بجانبه. ضحك بهستيريا، بجنون منقطع النظير، ثم توقف فجأة وهمس إلى نفسه المشروخة كجدار قديم:
(ألا تعرف أيها المغفل أن الابتسامة تُشنق في مدن الأحزان؟!)
ضحك من أعماقه كما اعتاد، بألم، ثم طوى الزمن تحت إبطيه وخرج لا يعرف وجهته!
أرض الله الواسعة لا تعجز عن استضافة مغفل آخر نبذته الأزمنة البالية!
– 4 –
هذا الحلم رهيب، ومزعج. يجثم على أنفاسه ويكاد يقطعها، والليل طويل، موحش يجتاز المسافات الطويلة بأنفاس متقطعة، وعندما يصل إلى خط النهاية تتباطأ خطواته فيغدو سلحفاة بطيئة! عندئذ لن يصل خط النهاية إلا وقد دقت الأجراس وأصمه الرنين من ضمن المداعبات.
تندثر مملكة الابتسامة لتقوم على أنقاضها مدن الخوف!
سيصل خط النهاية ولن يجد من ينتظر سوى حارس النفايات. سينهره هذا الحارس بقوة وبعنف فلا يصبح النهار جميلاً.
هو الآن يعيش في الحلم، ويتمنى لو أن أحداً ضربه بقوة كي يفض هذا الاشتباك الذي أسماه بالحلم، وقبل أن تحتضر أمانيه جاءت امرأة جميلة، فاتنة. جحظت عيناه وتوقدت شهوته عندما تأمل ذلك الجسد المثير، فتمنى ألا يفيق أبداً، وقبل أن يحتضنها ركله حارس النفايات فاستيقظ فزعاً.
– استيقظ أيها المغفل قبل أن تنقم عليك شمس النهار. استيقظ يا نديم الليل التائه.
خاف أن يبتسم. خاف أن يبكي. خاف أن يقول لا! ثم طأطأ برأسه كنعامة هاربة. قدم اعتذاراً لطيفاً للنهار من غير أن يبتسم أو يبكي:
– الصعاليك أمثالي لا يستأثرون باهتمامك.
وبدون أن يغسل وجهه، تأبط الزمن بامتعاض ومضى يسير نحو اللاشيء.
– 5 –
في زحمة المواصلات حدق طويلاً في الوجوه المتعبة من رحلة الحياة. قرأ روايات مطولة في تلك الوجوه شغلته عن النزول في محطته. صرخ في السائق يأمره بالوقوف:
– ممنوع!
– هذه الوجوه التي تحتقر الزمن أعطتني هذا الحق.
– يا ابن الـ .. !
عندما جاء محصل التذاكر لم يجد في جيبه أي قطعة نقود فتشاجر معه. اقتيد لمخفر الشرطة. هناك فقد القدرة على النطق عندما أُوسع ضرباً. لأول مرة يبكي علناً ثم يضحك بجنون. لا يخاف المشانق. ترك الزمن خلفه بعد أن سحقته قدماه. هناك أصبح إبطه نظيفاً من عفونة الزمن. في هذه اللحظة ضاقت دائرة الطمأنينة عليه، وجردته من اسمه ليبقى ضمن قائمة المنبوذين والمبعدين عنوة عن دائرة الطمأنينة!

