يحلو لي أن أوجز دفاعي عن زبيدة عندما يطفح بي الكيل، ذلك بعد أن تلطخ الألسن سيرتها العطرة فترة أطول من المحتمل، بأنها مجرد ضحية مغلوب على أمرها كتب على جبينها المنكوب أن تحمل جرحاً مبهماً نيابة عن مقترفيه الأصليين. زمرة من متعجرفين أقوياء لصقوا ذنوباً ومعاصي على أنقاض ذكرياتها المرة وظلوا يتفرجون فرحين بانهيارها دون أن يخففوا من مرارة الاستهزاء أو سفالة الاعتداء الجسدي المؤلم.
لم أكذب بشأن تلك المرأة المعذبة، ولم أكن أبالغ عندما وصفتها بـالقطعة المحطمة ليقيني أن تلك الأنثى المنكسرة إنما هي طين استثنائي ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مجنونة كما يروج لها أهل الحي وصمة عار لتهمة أبشع.
في مثل حالتها النفسية المتردية من الممكن أن تقترف زبيدة جملة من الأفعال غير المتزنة ولكن الشائن والمنسوب إليها ظلماً أكبر من كل التصورات؟ ومع ذلك فهي صامدة على طريقتها البريئة/النقية تجاهد في درء الخطر والتهكمات عبر ممارسة فعل رفض قاطع يتمثل في الصراخ الذي تبدأه قبل أن تصدح ديوك الفجر وتختمه قبل أن يعلن الحاج خميس بلكنته المائعة موعد صلاة العشاء. بدائية الرفض هو ما يحمل سمعتها إلى الحواري القريبة ومنها تنطلق إلى مناطق أبعد، مدينة عيسى إحداها حيث يقطن أبوها بعد أن هجرها بسبب علاقتها المثيرة للجدل مع شاب عائد تواً من التشيك قالوا عنه أنه ملحد. استقر الأب المفجوع هناك بعد أن بدأ حياة جديدة مع زوجة شابة.
ليس الجنون ما يدفعها للصراخ. لا دخل لاختلال العقل في هذه الترجمة الساذجة. ولأنها لم تعد تستعمل الكلمات منذ ازدياد الهجمات المسعورة على سلامة عقلها فإنها فضلت مرغمة أن تستخدم أبجديتها المتمثلة في إصدار أصوات متفاوتة العلو والانخفاض عوضاً عن أبجدية البشر. تعرف تماماً أن لا أحد سوف يصغي لكلماتها في مواجهة الطرف الآخر – العدو كما يحلو لها أن تصفه – الذي حشد لمواجهتها طوابير طويلة من مطبلين خدج. المطمئن أنها عرفت اللعبة وأتقنت تفادي خطرها حتى هذه اللحظة بنجاح .. منتهى النجاح.
كثيراً ما يواجهونني بالسؤال التافه إياه:
– ما الذي يدفعك للوقوف مع هذه الخرقاء في صف ضعيف البنيان؟
ولا أجيب على سخافات من هذا النوع. أتركهم يتلهون بالتكهنات الخائبة والمشاحنات الجانبية التي تفضح ضحالة تفكيرهم ليخرجوا بنتيجة واحدة: إجابة خاطئة .. رسبتم في امتحان الفهم البدائي.
مرات كثيرة تعرضت لمضايقاتهم وفي صور عدة لم تثنني عما عزمت على فعله، الدفاع عن هذه المرأة الضعيفة والتي لم ترتكب ما يستوجب يقظة وحشيتهم المبتذلة. تجاهلوا تحيتي وشتموني علناً بأقبح النعوت وآخر التصرفات الصبيانية تلطيخ جدار البيت بعبارات نابية تنال من سمعة أمي العفيفة. ولم تسلم من هذا السبي الشنيع أخشاب نافذتي. عبارات لا يكتبها إلا قذرون تمرغوا في الوساخة وتشبعوا من نتانتها. (سلمان ولد الزانية .. هل كانت أمك مجنونة؟). وفي خطوة فاجأتهم انتفضت من صمتي وخرجت من عباءة المسكنة معنفاً تواطؤهم الجبان مع الزمن عندما ضبطت أحدهم يفرغ من الكتابة: (هل ضاجعتها يا فاجر؟):
– ما أحسبكم تتمرغون في هذا الوحل لو كانت زبيدة قريبتكم؟
خفت حدة الهجوم علي منذ ذلك اليوم الصدامي الذي انتهى بمعركة استخدمت فيها أدوات غير الأيادي وانتهت بالعرق الكثير والقليل من الدم لكنه ازداد ضراوة على زبيدة لأندم بعدها ندماً عظيماً ظل اللوم يغض مضجعي ليالي طويلة. لمت نفسي كثيراً فقد كنت السبب في زيادة جرعة تعاستها بسبب الألم الذي تجرعته من هؤلاء الأوغاد. قل صراخ زبيدة تدريجياً حتى صمتت تماماً وعم السكون بيتها الذي ورثته عن أمها خضرة. أنقاض بيت يشاركها فيه قطط الحي الهاربة وبعض الأرانب البرية المندحرة في جحور اخترقت أساس بيتنا.
اكتشفت بعد تلك الحادثة بوقت قصير أن أغلب المشاركين في حفل القضاء على زبيدة يخافونها حتى الموت، مبتلعين الطعم الذي روجت له خفافيش الظلام بأن عتمة الليل تحولها لكلبه مسعورة. ربما ساعدت عزلتها الطويلة على سريان مثل تلك الإشاعات لكن الأمر المؤكد هو أن اعتكافها وانقطاع الكهرباء عن بيتها بعد رحيل الأب خلق بين الاثنين فجوة شرهة.
لم يستمر الهدوء طويلاً فقد عادت زبيدة لهوايتها المفضلة. لم يأمن الجميع بعدها قطع الطريق إلى بيتها / بيتنا بعد صلاة المغرب، الوقت الذي ترتفع فيه وتيرة الصراخ الذي بات يشغلني عن المذاكرة ويشتت تركيزي. هل أصدق الإشاعة وأخشاها أنا أيضاً؟ لا .. على العكس يجب أن أتقرب منها وأستكشف بتأن عالمها الغامض / البائس. هذا القرار يباغتني كلما فتحت كراستي ويشغلني عن المذاكرة.
كلما حاولت الاقتراب من بيتها والطرق الخفيف على نافذتها التي تنطلق منها الصرخات المرعبة ترجع المسكينة مندحرة. بالطبع ليست خائفة. تلتصق بالجدار البعيد عن النافذة، القريب من الباب وكأنها تستجدي منه مشورة. تندفع مجدداً نحو النافذة ثم تقفلها في وجهي مباشرة بعنف لا يخلو من التوجس. تعودت أن أفعلها مرتين لتقابلني بالفعل إياه في كلتا الحالتين. أولى صباحية على هيئة تحية باردة على شاكلة: (كيف هو صباحك اليوم؟)، وثانية مسائية أدحرج من خلالها نصيحة متوترة وغير حيوية مثل: (جربي أن تكوني هادئة).
كلما قسا الجهلة والمحرضون على مشاعرها المجروحة تمادت في الصراخ البهيمي في محاولة للنيل من كرامتهم الهشة. لا يهمهم مطلقاً أن تنعم هذه المخلوقة بالسكينة بعد أن غدت سلوتهم الوحيدة. ملوا لهوهم الماجن، ولم تعد النميمة تشفي غليلهم إلا في ما ندر. فتاة يتيمة في عنفوان المراهقة وشاب عائد من وسط منفتح وشيطان زرع بينهما غواية لا يعلم عمقها.
انتهت الامتحانات النهائية لأعود إلى هوايتي المفضلة، الكتابة. (زبيدة هاجس لم يخطر على البال)، كتبت هذه العبارة المبهمة في كراسة مذكراتي الصيفية. لم أع أن هذه العبارة ستغير مجرى حياتنا .. أنا، زبيدة، والمحرضون. كنت أحسبها جملة استهلاكية تجلب لـ زبيدة مزيداً من التعاطف، لا أكثر ولا أقل. قربان بسيط أستطيع أن أقدمه لهذه التي تجاورني السكن والتفكير، والمبتلية بهم عظيم أحاول لملمة أطرافه. لكن الجملة غدت بوابة ضخمة لأسئلة لا ترحم في زمن صعب.
ليلاً كنت أفتح نافذتي المطلة على الزقاق المؤدي لبيتها حيث أراقب في نهايته المظلمة نافذتها المقابلة التي تفتح بعد العاشرة بقليل. أظل أرصد حركتها الدؤوب .. المتوترة في الغرفة المعتمة إلا من نور خفيف تبعثه شمعة صغيرة في الركن القصي. ظلها المستدق هو ما يشد انتباهي حيث يستطيل ليتسلل خلسة من النافذة ويشاركني الغرفة، وقلقي.
تجوب زبيدة غرفتي الواسعة من خلال ظلها الذي اقتحم وحدتي دون صوت حتى يهدأ بإيعاز خفي منها. ذلك بعد أن تقفل نافذتها استعدادا لنوم يمتد بطول النهار الذي يشكل قلقها/توترها. يختفي ظلها بعد ذلك ولكنني لا أنام. أفتح الكراسة وأكتب جملة يتيمة غير محددة السطور. جملة كل ليلة حتى غصت السطور بعبارات كثيرة تمتدح النافذة/نافذتها، والليل الموحش، والسكون الفظيع، والظل المؤنس لوحشتي الليلية الطارد للسؤال الكافر عن الحلال والحرام وما بينهما من متعة جامحة.
– هل صحيح أنها تعض؟
قالها أحد الأصدقاء بصوت هامس خوفاً من أن تسمعه زبيدة. وبدافع الفضول طلبت المزيد:
– وبعد؟
– يقولون بأن عضتها تحول الضحية إلى كلب مسعور يدمن الصراخ مثلها.
– ومتى تفعلها ما دامت لا تبارح منزلها؟ هل شاهدتها طليقة ذات مرة في سوق أو واجهتك في زقاق؟ هل حكي شاهد عيان ما تعرض له من هذه المرأة؟
– روايات عدة تؤكد تسللها من النافذة بعد انتصاف الليل لتصطاد ضحيتها بدم بارد بمساعدة مجهولة. تقفل عليه المنافذ وتمارس معه المنكر حتى تسلبه رجولته للأبد، انتقاما من لعنة الغواية التي دنست أيامها.
– كل شيء جائز.
قلتها ضاحكاً مما أغضبه. أعرف أنه يلمح للظل دون أن يسميه خشية من سخريتي. كيف يكون الظل بهذه الوحشة وهو الذي يقربني من زبيدة ويبعدني شيئاً فشيئاً عن وحشتها.
– هل تخاف من ظلك يا صديقي؟
– بالطبع لا؟
– إذن لا تخف من زبيدة؟
استهوتني كثيراً فكرة الظل ورحت أفكر طويلاً في جدوى وجوده ومحاولة فك لغز علاقته بصاحبته المتوترة وما يرافقها من حالات قريبة أو بعيدة سهلة التفسير من الوهلة الأولى. تركت ملاحظة زبيدة فترة من الزمن وتفرغت لتحليل تصرفات الظل في غرفتي للدرجة التي نفذت فيها توسعة نافذتي لتشمل كامل الجدار حتى حدود الأعمدة. أعلم بأنها فكرة خرقاء لكنها سهلت للظل مساحة أوسع للحركة ولتفكيري فسحة أرحب للتأمل.
يبدو أليفاً هذا الظل الذي استباح غرفتي وراح يتثنى في الفراغات ويتكسر مع انحناءات الزوايا التي تسمح له بالتواجد دون عائق. بدأت أسجل آلية تحركاته على شكل نقاط في دفتر هندسي للرسم البياني. استغرق الأمر قرابة الشهر ولم أتوصل بعد التحليل الدقيق إلى فكرة معينة. مجرد أشكال عشوائية تروج للغضب أو تموه عن الإحباط أضعها في مخطط أسبوعي للذكرى.
شككت في التقنية التي تعاملت بها مع تحركات الظل. قد لا تبدو الأمور بسيطة إلى المقدار الذي توهمته وربما كان يتعين علي أن أجد علاقة بين الأشياء ومن يضعها، بين التصرفات وأوقات حدوثها، بين زبيدة وظلها الأكثر ألفة من طبيعتها العدوانية، بيني وبين الحياة التي بت على غير وفاق مع عناصرها المتناقضة. وكان الناتج فماً رحباً يحتضن أسناناً بشعة متعطشة؟ الرسم البياني الذي أظهر هذه النتيجة المفزعة كان حصيلة قراءة أمينة عن الواقع المر الذي نعانيه جميعاً دون أن ندرك هول مأساته.
لم يعد الظل يزورني بعد أن لصقت الرسم على نافذتي حتى تفطن زبيدة لبشاعة المشهد الذي يمثلها في الحي. انقطع الظل تدريجياً بأن تقزم حتى أصبح في إمرة زبيدة وبات أسير الغرفة المطمئنة دون أن يفارقها. ملاصقته لصاحبته أغضبني لذلك قررت في لحظة محفوفة بالطيش أن أتسلل من نافذتي قاصداً بيتها .. نافذتها تحديداً. كانت معتمة تماماً لكنها مفتوحة على مصراعيها ولا يستر عورتها غير ستائر صفراء شفافة يتلاعب بها الريح الهبوب في سيمفونية شاعرية .. ريح الفجر المطمئنة.
بت قريباً من النافذة إلى الحد الذي داعبت فيه الستائر وجنتي. أسمع همهمات زبيدة .. أنين خافت لن يصدقه البشر الذين ارتعبوا من صراخها. كانت تتنفس بصعوبة أو تبكي .. أو كلاهما لا أدري. لم أكن أقصد كشف المستور عندما أمسكت بالستارة بغية إزاحتها عن وجهي. لم أع إلا وهي تحكم قبضتها على معصمي الأيمن وتجر جسدي للداخل. لأول مرة أشاهدها عن قرب بعد أن أضاءت الشمعة القريبة من سريرها.
لم تكن زبيدة قبيحة كما صورتها سيرة الزيف. لم تكن شمطاء كما روج لها خفافيش الظلام. لم أخطئ مسحة الجمال في قسمات وجهها الذي دثره الإهمال. أنثى جذابة ولا أثر لكسر في صف أسنانها الأمامي. كذب الرواة وما صدقوا فيما ادعوه على هذا الملاك المجروح. لفقوا حكايات رخيصة من أجل أن تكون روايتهم قابلة للتصديق. بقى أمر مقلق بعد أن انفض هذا الزيف، هل تعض زبيدة حقاً؟
تلاقت الأعين لحظات مطولة في محاولة ميسرة لقراءة متأنية. لا أنا قدرت على فك طلاسم سوادها الحالك بينما استعصى عليها الفهم كيف أن شاباً يافعاً مثلي لا يخاف من شر مفترض. حاولت سحب ذراعي فما كان منها إلا أن قربتها من وجهها، من فمها الذي أصدر فحيحاً. بدأت تشم ساعدي حتى وصلت للكوع. أخذت معصمي الآخر في غفلة مني وكررت ما فعلته مع اليد اليمنى. فتحت كفاي على آخرهما ثم دفنت وجهها وراحت تبكي دون توقف. أحسست بالمرارة التي تلف حياتها من سخونة دموعها الكثيرة التي هطلت دون توقف. وبنفس الفجأة دفعتني خارجاً وأقفلت النافذة ليخرس بعدها النحيب. من لحظتها ظلت النافذة موصدة ولم نعد نسمع صراخها. عندها فقط آمنت بأن زبيدة لا .. ولن تعض.
زبيدة والظل لا يختلفان. كلاهما قطعة حيوية من روح واحدة تمتهنان الألفة لحظة افتراقهما المؤقت حتى يلتم شملهما من جديد متى تطلبت الظروف اتحادهما. يحتاجان أكثر ما يحتاجان لوسادة حب وشريحة من الطمأنينة والكثير من الثقة.
افتقدت الظل كثيراً. افتقدته أكثر جدران غرفتي الطينية. قدرت علي الوحشة في غيابه. أحياناً كثيرة كنت أحس بالوحشة عندما يجن الليل فلا أجد غيره يحرسني من غدر الشياطين وتربص الأشرار. كنت أقضي الليل ساهراً متفكراً في عودة مشرفة للظل وصاحبته المفترى عليها والتي أصبحت مبجلة في نظري ولم تعد تلك المشردة كما روجت لها الشائعات الباطلة. ولا أنام حتى ألمح الحاج خميساً وهو يعتلي منارة المسجد بصعوبة ليشنف أسماعنا بأذان الفجر بصوته الذي ما زال رخيماً رغم الشيخوخة الزاحفة بشراهة على أيامه.
لم أعد أحتمل سلبيتي. انتظرت حتى ينتهي الحاج خميس من إغلاق باب المسجد وهرعت إلى بيت زبيدة لأطرق النافذة. فتحتها جزئياً. كلمتها من وراء حجاب لفترة ليست بالقصيرة عن فعل الغياب الخسيس في حياتي وكيف أن عطلتي الصيفية خرجت عن المألوف هذا العام. لخصت ما أريده في كلمة واحدة أردتها مؤثرة:
– افتقدتك.
– وبماذا يفيدني هذا الفقد؟
– يكفي أن تعرفي أن هناك من يهتم بك.
– لا تكذب .. كن منصفاً وأنت تصف الحالة التي تعتريك وقت الفقد .. كن صادقاً وأنت تتكلم عن مشاعرك .. لا تكن عاطفياً فالخوف أن تغدو منافقاً مثلهم .. هي البداية التي ستجرك إلى عالمهم فتمكر مكرهم .. أو ربما تزيد عليهم قليلاً؟
– يجب أن تصدقيني. افتقدتك كثيراً.
– الأكيد أنك افتقدت ظلي الذي أربك وحدتك وآنس وحشتك الليلية .. ظلي الذي ناورك حتى لا تتلصص على أحزاني أكثر.
– أنت والظل واحد.
– أخطأت. أنا وظلي نقيضان. لا نمثل بعضنا البعض عندما نفترق. وعندما نكون وحيدين يهرب. يجب أن تدرك أن لحظة اتصالي به هي نفسها لحظة انفصالي عنه.
– لا تتهربي. أنت الحقيقة و ..
– .. وهو الخرافة التي انهكتك ليالي طويلة وغيبت عنك الحقيقة، حقيقتي التي ضاعت بين ركام الشائعات والفواحش وما عدت قادرة على تجاوز سيئاتها. جريمتي الوحيدة هي الحب وخطيئتي حرام غيب حواسي وهو ذنبي؟
– وماذا عن هؤلاء .. ؟
قلتها وأنا أشير إلى البيوت التي كانت تغط في سبات عميق. تابعت منفعلاً:
– ألا تعنيك أكاذيبهم والفتن التي ينسجونها وما لديك غير الصراخ؟ إنهم يقصدونك أنت لا الظل. حسناً أنت لا تفهمينني. اسمعيني .. لقد أصبحت أنت الخرافة وغدا ظلك هو الحقيقة لذلك ما زلت نقية بفضل الظل. لن يستطيعوا النيل منك ما دام ظلك طليقاً يحرسك حتى تصحين من غيبوبتك الطارئة .. ينتظر الفرصة السانحة ليكشف الحقيقة التي زوروها ظلماً.
تقفل زبيدة النافذة في وجهي وهي تصرخ بحدة علي من الداخل: ( أنت مجنون .. مجنون ). كادت نوبة الهستيريا التي اجتاحتها أن توقظ الحي الناعس، وأن ترجع الحاج خميساً إلى مسجده في آخر لحظة.
انقطعت علاقتي بـ زبيدة وظلها بعد تلك الحادثة النارية وافتقدتها بشكل لم أتصوره .. أكثر من افتقادي لأمي التي لم يمض وقت طويل على وفاتها. بعد غيابها المر خبأت زبيدة ظلها عني .. بعد أن أيقنت في قراره نفسها بأنه الحقيقة التي تحميها من الشرور وتجنبها المكائد .. بعيداً عن ضجة الصراخ التي تفتعله وما جلب لها غير المزيد من المذلة.
تضامنت مع زبيدة وأبقيت نافذتي هي الأخرى مغلقة. ليلاً ونهاراً. هذا الاحتجاج أقل ما يمكن أن أفعله في مواجهة تأزم الوضع الذي حرمني من الظل وصاحبته التي ما قدرت على تزييف داخلها. صرت أنام مبكراً. أخلد للفراش بعد التاسعة بقليل ولا أستيقظ إلا بعد انتصاف النهار بقليل مفوتاً سماع أذان الفجر بصوت الحاج خميس الذي اعتلت صحته مؤخراً. كنت أتوهم أن بهذه الفعلة أنما أقدر على اجتثاث الذكريات المريرة لعذابات زبيدة المزمنة.
لا أدري أي سحر مارسته علي هذه المرأة المجهولة حتى تسللت إلى حظيرة أحلامي في غفلة اليقظة. لكنها لم تمارس في ربوعه غواية الصراخ وفعل التوجس. ظلت هادئة هناك إلى درجة تبعث على القلق تتقرب مني متخلية عن حذرها المعهود حتى تمسك ذات المعصم الذي عصرته في ذلك الصباح المشئوم. تجرني خلفها غير رافض لتجوب شوارع المحرق سيراً على الأقدام حتى تستخلص من الشرفاء شهادات لطهرها. عند الجسر العتيق نستقل سفينة نقل خشبية صغيرة قاصدين المنامة. سرعان ما نترجل لنمر على حوانيت راقية وأبنية جديدة من عدة طوابق وبشر متنوعي الجنسيات والأشكال. رحلة لا طعم لها ولا معنى لكنني سايرتها حتى وصلنا أخيراً إلى مبنى أبيض اللون نوافذه مسيجة بقضبان حمراء. دخلنا المبنى الدائري الذي كان خالياً من الناس والأثاث بينما شوهت الحقن الكثيرة منظر الأرضية اللامعة التي تناثرت فوقها بشكل مقزز. تختفي زبيدة ومعها الحقن المستعملة لتعود للأرضية نضارتها. أصرخ وسط المبنى:
– من اختطف زبيدة .. وماذا فعلتم بالحقن ؟
وكان الجواب صدى أنين زبيدة وهي تتوجع في الفضاء المجهول .. وكأنها تستغيث.
أصحو مذعوراً على طرق متواصل على نافذتي لكنني لم أستكشف الطارق في الحال. تركت الكابوس يتمهل في سكب مشاهده حتى آخر رمق، عندها سيكون لصحوي مذاق الخلاص الكامل من عبودية ماكرة. عندما انتشلت جسدي من الفراش لم يعد هناك طرق بل كان الصمت سيد المكان يقطعه صوت نعال الحاج خميس وهي تسحق حبيبات الرمل الخشن على الأرض الصلبة بكل برود. استفسرت دون تكلف:
– من يطرق ذاكرتي؟
ثم ركزت أكثر على الصمت الذي فضحه سرعة تنفس آدمية أشبه بفحيح أفعى جريحة في وضعية هجوم. فتحت النافذة لألمح زبيدة وهي تتحس الإطار الخشبي الخشن بخدها دون أن تكترث للخدوش التي بدأت تدمي. سألتها بحذر:
– هل أنت بخير ؟
أجابت بحزن:
– أنا لا أعض .. أنا ..
قاطعتها على الفور:
– بل هم الذين يعضون .. وأنت ملاك.
ثم تربعت الأرض لتنخرط في نوبة بكاء خافت. أربكتني. لم أر امرأة تبكي أمامي قط لذلك لم أعرف ما الذي يجب علي أن أفعله في مثل هذه الحالات المشحونة. شاب لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره كيف يتصرف؟ هل أطبطب على كتفها أم أضمها؟ هل أواسيها بالكلمات أم أمسح الدموع التي هطلت من عينيها؟ لا أدري كيف السبيل إلى قطع دابر الحزن الذي يلف كيان زبيدة دون أن أجرح مشاعرها. مسحت بيدي الصغيرة على شعرها الذي لم تمس خصلاته أسنان المشط منذ زمن بعيد. مشطت خصلاته المتشابكة بأصابعي النحيفة وببراءة أدركتها زبيدة منذ اللمسة الأولى. بدأت تموء كقط كسير ينشد الأمان منذ أمد طويل. مسحت دموعها الغزيرة وجففتها في ثيابي فانسحبت خجولة. نظرت إلى وجهي ملياً في محاولة يائسة لفك طلاسم تقاطيعه المرتبكة ثم قالت بحزن:
– لو كان لي أخ مثلك ما هربت مذعورة من ظلي؟
ابتسمت حتى أتخلص من عبء الموقف الذي قيد مشاعري قبل لساني. كانت هذه العبارة المنتقاة بدقة إطراء رفيع الشأن بعث في نفسي الثقة والزهو على السواء. الزهو بقدراتي على أفعل شيئاً ذا قيمة لهذه المسكينة المشنوقة بحزنها .. وثقتي بأنني سأنجح في مسعاي الرامي لتخليصها من كمدها. أجبتها متصنعاً الاعتداد بنفسي:
– فلأكن ظلك.
– الآن فقط اكتشفت أنكما تشكلان الحقيقة الأكيدة في حياتي.
– وخرافة الظل؟
– لحظة انفعال يجب أن تنساها؟ الظل هو من قربني لك.
قالتها على عجل ثم قامت من جلستها متثاقلة تمضي بأمل جديد نحو غرفتها المعتمة. توقفت عند منتصف المسافة وكأنها تتأكد من أن الحاج خميس بدأ يصعد سلالم مئذنته الواطيئة ثم نظرت صوبي وتوسلت قائلة:
– لا تتركهم يأخذونني للمبنى الأبيض.
ثم دمعت عيناها مجدداً وتابعت بتشنج:
– لم يبق لي سواك في هذه الدنيا. من الآن أنت ظلي.
قفزت من نافذتي وركضت صوبها. أخذتها من يدها لأوصلها للبيت الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة دون أن ننطق بحرف واحد. عندما أعود إلى غرفتي سأقرر في الحلم كل شيء ولن أخرج من لقطاته مهزوماً كما جرت العادة ولن أترك للصدف أن تأخذ بزمام المبادرة. أدخلتها غرفتها وقبل أوصد الباب على أوهامها همست في إذنها بنضوج الكبار:
– هناك أب تفتك به الظنون ينتظر صحوتك من لعنة هذه الدوامة وانقشاع الغمة.
رجعت لأنام فهناك مهام كثيرة تنتظر عزمي على التنفيذ. أوغاد ينبغي مباغتتهم لتلقينهم درس العمر .. دمى بلهاء تجاوزوا الحد ويحتاجون لمن يرسم لهم الخط الأحمر .. وفتاة بريئة بأمس الحاجة لجرعة من طمأنينة حتى تعود الأنثى التي تحب الحياة التي فارقها الحاج خميس منذ لحظات على درجات المئذنة.
ستعود زبيدة الفتاة التي لا تخشى من الوقيعة ما دام هناك ظل سيساندها.

