من ذا الذي يطرق بابي ثم يتوارى؟ أتوسد قلقي المتمرد في محاولة ملولة لاستعادة تلك الرؤيا التي غيرت مجرى أحلامي، فلا أقوم – على عكس العادة – بتدوين تفاصيلها التي بقيت عالقة في مخيلتي الناعسة بعد أن فقدت مفكرتي الصغيرة على عتبة كابوس كاد يودي بحياتي. سلمت الجاثم أحلى أوقاتي، وتراجعت حفاظاً على ما تبقى من صحو أرتجيه؛ ليلف روحي الشفيفة غموض أسقطها في وحل يستحيل التطهر من نجاسته.
أيقظتني الطفلة الصغيرة من نومي مذعوراً بينما كانت تزعق قرب السرير وهي في قمة الاندهاش، تتكلم بثقة الكبار وبكلمات رصينة أكبر من سنها دون أن تحسب العدة لردة فعلي:
– لماذا تخلت السماء عن زرقتها؟ يجب أن تنهض حالاً وتقنعها بأن اللون الوردي الذي ارتدته هذا الصباح حلة لا تواري مهجة الضغينة!
ثم تركتني لتركض نحو الباب بسرعة مذهلة، ثم تقفز برشاقة غزال على عتبات السلم المفضي للصالة الفسيحة ذات الأرضية الخشبية خروجاً إلى الحديقة التي احتضنت صوتها العالي وهو يردد أناشيد معبرة عن وحشية العالم الذي يجب أن يخلع ثوباً لا يعجبها. لست ملزماً باللحاق بها، فالمتعة/المغامرة التي تجرني هذه الصبية إلى غياهبها لا تشدني. لن أتبع هوس طفلة غريبة استباحت خلوة البيت مستغلة بابه المفتوح دائماً على كل القلوب. لو لم أكن مرهقاً بالقدر الذي يقيدني في السرير لتبعتها من باب الفضول، لكن النعاس يخدر أوصالي. لم أنم إلا ساعتين أو أقل، لذلك سأطل عليها من النافذة القريبة من السرير، عندها ستكون السماء أقرب لي من الصبية التي باتت تهذي بلغة لا أفهمها.
اللعنة! لقد سرقت هذه المعتوهة النافذة الوحيدة المطلة على مدخل البيت وهربت بمناظرها في غفلة تعبي الغادر. كيف استطاعت هذه اليافعة أن تنتزع نافذة عتيقة متجذرة في الجدار تزن عشرات الكيلوجرامات دون أن تجرح كبرياء الطوب الذي لم ينله خدش صغير؟ وماذا ستفعل عندما يتفتت الإطار الخشبي القديم الذي تحمله وهي تجري؟ والزجاج الهش قد يتشظى في أي لحظة ويهشم وجهها الطفولي. صرخت حانقاً باتجاه الجدار المسلوب:
– ما علاقتي بالسماء؟ فلتتزين على ما تشتهيه ما دام يناسب مزاجها.. ويهدئ من روع كبريائها!
لا نفع من الصراخ على جدار لا حول له ولا إحساس. ولما كانت محاولة نوم ليلة البارحة شاقة ومكلفة، فإن معاودة الكرة بعد هجوم الصغيرة سيكون باهظاً. ماذا عساه أن يكون الثمن هذه المرة؟ آه.. لن أنزل للطابق الأرضي وأغلق الباب الذي تركته تلك الشيطانية مثبتاً على مصراعيه سامحة للريح الصلفة أن تستبيح حرمة الستائر الشفافة التي علقت في بعض أواني الزينة وكسرتها، داعية كل من يواليها من بقايا أوراق الشجر وثلة من حيوانات أليفة تعيث في البيت وساخة. حتى الأوهام كانت حاضرة استعداداً لوليمة دسمة غير معلومة المصير لمدعويها متنافري الأمزجة والأهواء.
بالكاد أقوم من السرير لأقفل باب غرفتي المشرع على مصراعيه وأعود إليه مجدداً. أغطي وجهي بمنشفة وأنام. كان نعاساً سلساً لم يتطلب سوى إغماضه مخلصة وقليلاً من الاسترخاء والإيمان بأن ما حصل منذ قليل لم يكن سوى مجموعة من رؤى مراوغة تشاكس الوسن لتصل الصحو بكابوس الليلة الفائتة، أو ربما تهيؤات تائهة ضلت طريقها لتكون من نصيبي.
رغم القتامة التي خلفتها المنشفة على عيني المرتخيتين، إلا أنه تهيأ لي فيما يشبه الرؤيا بأن الصغيرة قد عادت إلى الغرفة مجدداً. إنها بالفعل حاضرة تهزني من كتفي بحركة لحوحة تبعث على النرفزة. تجاهلتها فما كان منها إلا أن سرقت المنشفة وأسرعت برميها في المرحاض الذي ابتلعها في معدته التي لا تعرف الرفض. كأنها بهذه الفعلة الجريئة تمنعني من إعادة استخدامها حجاباً عن الحقيقة التي أتهرب من مواجهتها كما تزعم تقاطيعها!
– فلتكن لعبتك. أحتفظ بالكثير منها.
– لا مشكلة. فرصة لأجرب حيلي المضادة. لكن يجب أن تعرف أنني لا ألعب، وأن الوقت يزين لك الغفلة حتى يسرق طوق النجاة.. احذر..
تجاهلتها وأشحت وجهي للجهة المقابلة. ها قد أعادت النافذة لكنها استبدلت الزجاج الملون بآخر صبغته الغالبة سواد يتبين المرء مرارته منذ النظرة الأولى. قطعة واحدة بدون مقابض أو أقفال تحكم أنانيتها. أدقق النظر في النافذة فتأخذني الشفقة على الجدار الذي انطلى عليه زيف الصبية رسماً أتقنته في سهوتنا أجمعين.
– إذا لم تحرك استباحة السماء البكر غيرتك، فإن الأرض لم تعد كروية! ترى كيف لم يترك الاهتزاز الذي أربك سكينة هذا الصباح البليد أثراً مدمراً في نفسك؟ حفر كثيرة أغلبها عميقة تنتشر في كل مكان تلتهم بشراً ودواباً تنتقيهم بمهارة لا تصدق.
إذا كانت النافذة مزيفة والباب مقفل فمن أين دخلت الفتاة؟ ومن أي منفذ ستكون نقطة هروبها هذه المرة؟ إنها محاصرة ولا شك، وهي الفرصة التي أنوي فيها تأديبها لو عاندت عاداتي، أو ترويضها إن شاكست هدوئي أو حاولت اختبار قوة احتمال صبري الذي أوشك على النفاد. في محاولة للمباغتة انتفضت لأقبض عليها قفزاً من على السرير فطارت في فضاء الغرفة لأسقط على الأرض. كيف اختفت وأين؟ هذه المرة أخذت الباب في طريقها ولم تنس أن تزيل الرسم عن الجدار الذي توشح بالسواد.
لم أنم سوى ثلاث ساعات في ظرف أيام ثلاثة بسبب مشاغبات تلك الطفلة التي دفعتني للجنون بتصرفاتها الشاذة. ماذا سأفعل مع هذه المجنونة؟ وكيف سأحمي وجهي بعد أن استولت على الوسائل البديلة؟ اختلست الشراشف والملابس من الخزائن، ومن على جسدي أيضاً، ولم تترك لي غير سروال داخلي يستر العورة والكبرياء المجروح. لم يتبق إلا الأوراق التي كتبت عليها ليلة البارحة قصيدة جديدة عن امرأة هاربة من القهر باتجاه حب مستحيل. ورقتان تفيان بالغرض الخفي في النفس، وبقليل من الجهد غازلت النوم مجدداً.
لم تقدر الصبية المشاكسة على الولوج إلى حلمي والعبث بمشاهده البلورية التي لم تعد عذرية منذ حلول الغيبوبة الأخيرة. صحيح أنها خارج نطاق السيطرة، لكنني لا أزال أمتلك مفاتيح قادرة على رصد الاختراقات.. مداها ونتائجها على السواء. رغم إعجابي الشديد وانبهاري بمجموعة الحيل التي تتسلح بها الفتاة، إلا أنني حانق دون مواربة على الحدة التي تتبناها ولا تليق بطفولتها.
بدأ الحلم دون مقدمات بتلاوة رخيمة لقصيدة مجهولة المصدر أسميتها “الحياة المستحيلة” بصوت السيدة الهاربة من رهبة الكلمات، امتدت حتى منتصفه ثم اكتمل بقصيدة رد مملة من نظم السيدة ذاتها “صاحبة الصون والعفاف”. أصبح المشهد أشبه بمسرحية غنائية مبتذلة بطلها رجل لم يرد ذكره – ولو بالإشارة- في القصيدة الأصلية التي أصبحت الدلائل تشير إلى أنها قصيدتي. رجل أصلع، حليق الحاجبين، ظل يلاحق فتاة صغيرة دون أن يحرك قدميه أو يجهر بالتهديد؟ الحلم لا يخضع لمنطق أو شرط، لذلك واصلت تسليم نفسي لخدر عجيب بدأ يسري من قدمي وحتى فروة الرأس الذي أصابه الدوار من سخافة الرجل الذي ترك الفتاة وبدأ يرسمني بالفحم على جدار كبير بالحجم الطبيعي. أدركت قصده الدنيء والرامي لاستلاب روعة القصيدة فرفعت نظري عن قراءة قصيدتي التي كتبها بالمعكوس وعنونها بـ “لا مستحيل في الحياة”.
دارت بقية المشاهد في صمت ورتابة وكأنها تهيئ ملاذاً آمناً للظل الذي بدأ مراوغاً لخيالاتي، شرساً مع الرجل السخيف، وماهراً في التخلي عن ثوبه المموه. يا لهذا الظل الذي لم يردعه رادع عن مخاصمة خصوصياتي في اليقظة والمنام. حتى النهاية التي ارتسمت كتابة عملاقة على ذلك الجدار تدين له بالفضل عندما رحمني بنصب كمين للرجل الذي وقع في حفرة عميقة بجانب سيدة القهر والمستحيل التي حُجب صراخها عن الجميع.
فتحت عيني بصعوبة وكأن الطفلة الصغيرة لم يرق لها أن أتخلص سريعاً من العذاب الذي خلفه الحلم. كان من الواضح أنها ترغب في أن أظل أسير دائرة القلق التي اتسعت في غمار البلبلة ونثار الكلمات الخائنة التي لم يخطها قلمي على وقار الوهم المصقول.
والآن لم يعد هناك مخرج من الغرفة التي تحولت إلى صندوق محكم لا منفذ له بعد أن استولت الطفلة على الحمام واستبدلت بابه المصنوع من الألمنيوم بلوحة طينية كتبت عليها القصيدة المستحيلة بلغة غير مفهومة، أغلب الظن أنها هيروغليفية.
أرعبني خروجها المفاجئ من تحت السرير الذي لم يعد يستر أعمدته المعدنية التي طليت باللون الأبيض غير الفراش. كدت أطبق على رقبتها اليافعة وفي خاطري شر طردته. لم تبدُ على مراوغتها أمارة اللهو البريء، فهي جادة فيما يغمرها من عزم في مطاردة يقظتي التي لا أرغبها في هذه اللحظات المرهقة. خاطبتها وأنا أبحث عن خيالها الذي اختفى عن ناظري:
– ألم تتعبي من اللهو؟
وأفزعتني وهي تقف خلفي مباشرة دون أن أحس بوجودها قائلة:
– وأنت.. ألم تتعب من الغفلة.. تباً لك؟
واصلت الصغيرة لعبتها النزقة مقتطعة من ارتفاع الغرفة ربعه ليهبط السقف دفعة واحدة مخلفاً ضغطاً هوائياً أصدر صوتاً قوياً أقرب إلى فرقعة الانفجار أو ضربة الرعد المفاجئة. وقعت على الأرض من شدة الخوف. لم تنزل نقطة دم واحدة من الجرح الغزير الذي أحدثه الاصطدام القوي لرأسي بأحد أعمدة السرير.
الرنين القوي في أوتار عصب الجمجمة أيقظني بعض الشيء من الكابوس، بالقدر الذي سمحت لي به هذه المخبولة الصغيرة. زحفت على الأرض الجافة حتى كاد بطني أن يتشقق، مثل جندي يخاف على حياته من رصاص العدو الذي يحوطه بالغدر من جميع الاتجاهات. استقر بي المقام تحت السرير.. المكان الذي ظننته آمناً بعد كل هذه الأحداث المتسارعة.
لا يوجد سبب يحملني على الاعتقاد بأنني الآن في مأمن بعد أن دكت هذه المجنونة حصوناً أكثر أماناً من هذا المكان شبه العاري. أربع قوائم معدنية لا يتجاوز قطر الواحد منها سنتيمترات حقيرة، وفراش طبي من الإسفنج المضغوط لا يقاوم حقد طفلة لم تتجاوز العاشرة، لا يعد المخبأ الأمثل لرجل في مثل خوفي. في لحظة عصيبة على النفس أخرج من مكاني وأدفع السرير حذراً بظهري حتى الزاوية القريبة مستعيناً بأطرافي الأربعة. أحتمي بها حتى إشعار آخر.
لا أدري كم مضى عليَّ وأنا على هذه الحال المترقبة؟ انعدم الوقت فلا ساعة تزين المعصم أو تتوشح الجدار بعد أن أخذت الطفلة كل علاماته. لا منفذ يمكنني من خلاله رؤية تعاقب الضوء والظلام. متى ينبلج الصبح وفي أي مساحة يبدأ الليل وليمته الغادرة؟ أي لعبة هذه التي تحول الوقت إلى مجرد ممثل ثانوي يحاول مستميتاً الظفر بدور رئيسي في مسار الأحداث دون نجاح يذكر؟ أحسست بالضياع وبتسرب الملل إلى نفسي القانطة فنمت أخيراً بعمق دون أن أحلم بشيء على الإطلاق. بقيت الشاشة بيضاء طوال فترة الحلم، ساطعة بخيبتي التي بدأت منذ ذلك الصباح المشؤوم الذي لوثته تصرفات الفتاة التي تتصرف بمنتهى الشناعة، وحتى ظهرت كلمة (النهاية) بطلتها المفرقعة التي أيقظتني مجدداً.
ماذا تفعل الصغيرة؟ إنها تجلس في الزاوية المقابلة تقضم بأنياب حادة برزت للتو إسفنج الفراش حتى فتتها بالكامل ونثرتها في هواء الغرفة ليتلقفها سقف جائع. دفعني الرعب إلى تجاهلها خوفاً من أن يثيرها لحمي فيأتيني الدور لتكتمل في الأعلى لوحة “خلية على السرير”. ليس لدي ما أرد به عدوانها لو قررت أن أكون الوليمة المنتظرة. حتى الاطمئنان لم يعد ضمن مقتنياتي بعد أن استلبته في تخطيطها التدريجي للإيقاع بي في شباكها. لم أعد أقوى على الدفاع عن نفسي وهي تعرف أنني لا أقدر على إيذائها، فلماذا هذه اللعبة السمجة في تأخير النهاية التي لا تأتي بها إلا في ثنايا أحلام بائسة كاختبار؟
والآن لأي عدوان تخطط بعد أن بدأت في التنقل من زاوية لأخرى متخطية على عجل زاويتي الحقيرة التي زاد من نتانتها الوساخة التي تقذفها فتحاتي الفسيولوجية خوفاً وحاجة؟ لم أدرك مدى خبثها إلا عندما أصم أذني صوت صرير الجدران وهي تتزحزح خائفة من مواقعها. ماذا وشوشت لها حتى تتقدم للأمام وتقضم المساحة؟ وكأنها تنتظر مني الاستغاثة المنتظرة/الأخيرة:
– لم يفت الأوان بعد.. بيدك النجاة.. ماذا تقول؟
كنت مذعوراً من الصوت القوي الذي بدأ يزلزل كياني، خائفاً مما قد تسفر عنه خيانة الجدران وانصياعها المشين. بعد لحظات قليلة سينطحن جسدي بين هذه الرحى الأسمنتية العملاقة؛ لذلك أسرعت بالابتعاد باتجاه منتصف الغرفة، هارباً من الزاوية التي التهمت السرير وهشمت قوائمه ثم تجشأت البراغي في وجهي مثل رصاص اخترق الجمجمة الغاطة في غفلة مريبة.
لأول مرة نتواجه عن قرب كما نحن عليه الآن في هذه اللحظة الحاسمة مفترق طريق. لم يعد هناك من مخرج لكلينا على ما يبدو، وكأننا في مواجهة مع القدر الذي جمعنا بعد أن تحرك السقف بسلاسة نحو الأرض التي اندفعت هي الأخرى مجنونة لمعانقته. عما قريب سننهرس سوياً.. أنا والفتاة الصغيرة التي ستتذوق فداحة ثمن لعبتها المميتة/ المتهورة.
كانت المسافة المتبقية حرارة أنفاس تلفح الوجوه الضاجة بعرق يهطل كمطر مجنون. أستجدي الهواء مزيداً من الذرات. أستعطف الطفلة رحمة ربما قد فات أوانها فما كان منها إلا أن أبطأت قليلاً الزحف الحجري لثواني معدودات لا تسمح للتفكير أو التدبير لتقول آسفة:
– لم تنفعك الغفلة؟
وأجيب مستسلماً:
– فات أوان اللعب.
لم يفت الأوان بعد رغم أن الفرصة قد خلقت تواً، ورغم أن الطفلة الصغيرة استطاعت الهرب ببراعتها المعهودة عبر أنفاسي الخائفة من الفناء. لم يبقَ من جسدي غير خلية يتيمة نجت من الاجتياح الأخير، ولا تزال تنبض بالحياة في فضاء بخيل كشاهدة ثمينة على الغفلة التي عيرتني بها تلك الطفلة المتهورة.
هذه الصغيرة تقدر على المستحيل بمنتهى البساطة. بعفوية شديدة أعادت الغرفة المحطمة إلى سابق زهوها بعد أن أرجعت كل شيء إلى مكانه ولم تتطاول على نفسي الجزعة أو تسطو على ممتلكاتي، بما فيها الطمأنينة التواقة للعودة إلى الأعماق. ظلت تردد لازمة مملة على مسامعي:
– المتاح القادم قطرة ماء في صحراء قاحلة، فلا تضيع الفرصة مرة أخرى.
بعيون شاخصة وعنق مشرئب ودعت الصغيرة التي أصابها اليأس من إصلاح اعوجاج حالي. متألمة كانت. تبتعد عن ناظري الذي حده الإطار الخشبي لنافذتي العتيقة. بالرغم من هذا الانتصار الأجوف لم تكن لدي رغبة بالمشاركة في احتفالية مأجورة. “أحياناً ننجرف رغماً عنا لمآرب لا تعايش مقاصدنا”.. عبارة رددتها في داخلي المرتعش كإجابة متأخرة على لازمة الفتاة التي ما نفعها انتشالي في اللحظة الأخيرة خلية يتيمة.
عندما أتذكر المشهد الأخير أتيقن دون ريب من أن المحاجر ما زالت رطبة منذ الهجران الأول. هكذا هي الدنيا لا تعطينا ما نشتهيه إلا عندما يفوت أوانه ويصبح حضوره باهتاً مثل الفناء. منذ رحيل الصغيرة هجرت النوم واستعصى عليَّ الاطمئنان. سأظل أروي الخلية حتى تنشطر بجنون وتتناسل لتتشكل طيناً رصيناً غير هذه الملامح المجوفة التي أحرص على غسلها كل صباح جديد قبل أن تباغتني شامخة كلما نظرت في المرآة البلورية التي استبدلتها الصغيرة هدية منها لروحي الفزعة.

