مرافعة الذاكرة والدم.

تُعد هذه النصوص مادة أدبية وروائية للكاتب البحريني (جمال الخياط) بعنوان (الأشباح الأخيرة)، وهي عمل يمزج بين السرد الروائي والنفَس الشعري لاستقصاء ذاكرة المقاومة والفقد. تتمحور القصة حول شخصية (الغائب)، وهو بطل شعبي ناضل ضد (الأشباح) و(الغزاة) الذين عبثوا بالأرض ودنسوها، ليصبح رمزاً للتضحية في مواجهة القهر والجبن.

يستعرض النص صراع الأجيال من خلال (الحفيد) الذي ينبش في الماضي، و(الجد) الذي يحمل أسرار البطولة والخيبة، و(الجدة) التي تعيش على أمل عودة ابنها (الغائب). تهيمن على الأجواء تيمات الخيانة والولاء، حيث تتقاطع شهادات الشخصيات لترسم صورة بانورامية لمجتمع يعاني من مرارة الهزيمة ويتوق للحرية. وهنا تتجلى براعة الكاتب في استخدام الرمزية، واللغة المكثفة لتوثيق نضال الإنسان ضد النسيان وسطوة الظلم. بإختصار هي مرافعة أدبية عميقة تتشابك فيها الذاكرة بالدم، حيث يبني الكاتب عالماً روائياً قائماً على صراع البقاء بين الحقيقة والنسيان.

الحدث (المحرك السردي):

يتمحور الحدث الرئيسي حول (الغائب)، وهو البطل الشعبي الذي قاد المقاومة ضد (الأشباح) و(الغزاة). تتركز الأحداث في المقاومة من خلال رصد بطولاته، وتنفيذه لعمليات نوعية، ثم تنتهي باستشهاده برصاصة غادرة في الظهر أطلقها الجلاد (جوني). كما أن فعل التذكر كانت محاولة من الكاتب لاستنطاق (الجد) العجوز لمعرفة الحقيقة المغمورة تحت ركام السنوات، في ظل محاولات (الأشباح) طمس معالم تلك الحقبة. كما حضر الفقد والطقوس التي بعدها لاستعراض حالة العائلة والمدينة بعد رحيله، ما بين إنكار (الجدة) لموته، وانتظار عودته، وبين محاولات (الجد) حماية حفيده من (لعنة الذاكرة).

الزمان (تداخل الأزمان):

اعتمد الكاتب بناءً زمنياً غير خطي، يتأرجح بين مستويات عدة:

  1. الزمن التاريخي (الماضي): يعود إلى فترة الستينيات، حسب ما يوحي به السياق والخطابات، حيث كانت المقاومة في أوجها.
  2. الزمن الروائي (الحاضر): وهو زمن المونولوجات والاعترافات، حيث يسعى (الحفيد) لنبش الماضي بعد مرور عقود، حوالي خمسين عاماً على الحدث.
  3. الزمن النفسي: زمن الجدة التي توقف عندها الوقت في (يوم أسود) فقدت فيه ابنها، وتعيش في دوامة من الانتظار السرمدي.

المكان (فضاء المقاومة والذاكرة):

يتحرك السرد في فضاء مكاني رمزي وواقعي في آن واحد:

  1. المدينة الساحلية: حي شعبي تحديداً، يتميز بالأزقة والخرائب والمرفأ العتيق.
  2. المخبأ (الخرائب): الأماكن التي كان يحتمي بها (الغائب) مع الكلاب الضالة، والتي تحولت إلى مسرح لمطاردته.
  3. البيت الكبير: يمثل المعقل الذي شهد المداهمات، ومخبأ الصور والذكريات خوفاً من الأشباح.
  4. معسكر الأشباح: المكان الذي تدار منه العمليات القمعية، ويمثل سلطة (المايسترو).

الشخصيات (الأبعاد النفسية والرمزية):

رسم (جمال الخياط) شخصياته كأنماط تمثل مواقف إنسانية تجاه الحدث:

  1. الغائب (البطل التراجيدي): هو (رجل الألم والأمل)، الذي تحول من إنسان مسالم إلى أسطورة مقاومة، يمثل الضمير الحي للأرض، أرضه.
  2. الجد (الحارس المتردد): يمتلك (مفتاح الحكاية) لكنه يخشى من تبعات البوح، يمثل الحكمة المثقلة بالخوف والجبن المعتق.
  3. الجدة (ينبوع الحكاية): رمز للصبر والوفاء المطلق؛ الرافضة لتصديق موت ابنها عبر ممارستها للطقوس من أجل استحضار طيفه.
  4. الحفيد (الباحث عن الهوية): يمثل الجيل الجديد الذي الرافض لـ (التبعية العاطفية)، الساعي لتوثيق الحقيقة بعيداً عن الزيف.
  5. المايسترو (الشر المطلق): قائد الأشباح، الرجل السادي الذي يتلذذ بتعذيب الجنود والأهالي، وهدر كرامتهم.
  6. الجلاد (جوني): شخصية معقدة؛ ليس شريراً بالفطرة بل (مغفل كبير) وقع ضحية النظام، لذلك رأيناه يشعر بالندم والتقزز بعد قتله للـ (الغائب).
  7. العرّاف: الخائن الذي وظف قدراته الشيطانية لخدمة الأشباح ضد أبناء جلدته.

قدرة الكاتب في البناء الدرامي:

تتجلى قدرة (جمال الخياط) في بناء الرواية من خلال عدة أدوات:

  1. تعدد الأصوات (البوليفونية): لم يكتفِ براوٍ واحد، بل أعطى المساحة لكل الشخصيات (الجد، الجدة، الجلاد، الحفيد) ليروي كل واحد منهم الحكاية من منظوره الخاص، مما خلق لوحة متكاملة للحقيقة.
  2. استخدام السيناريو واللقطات: اعتمد تقنيات سينمائية (لقطة بعيدة، لقطة مكبرة) لوصف المشاهد الدموية والمواجهات، مما أضفى حيوية وبصرية عالية على النص.
  3. اللغة الشعرية والرمزية: وظف الكاتب الرموز (الأشباح، الرعاع، الخبز، التراب) والقصائد (درويش، القاسم، زيادة) لرفع الواقعة التاريخية إلى مصاف الأسطورة الإنسانية.
  4. بناء التوتر: نجح في الحفاظ على وتيرة التصاعد الدرامي عبر حوارات( الحفيد) و(الجد)، حيث ينساب البوح ببطء، مما يشوق القارئ لاكتشاف (النهاية المحرمة).

تُظهر هذه العناصر أن الكاتب لم يكتب مجرد قصة مقاومة، بل وثيقة فنية تدين القمع، وتنتصر للذاكرة كفعل مقاوم أخير.

الصراع بين الحقيقة والنسيان من خلال شخصية (الحفيد):

يمثل (الحفيد) الجيل الجديد، الباحث عن الهوية والرافض للتبعية، فهو يظهر في الرواية كمحرك أساسي لعملية نبش الماضي، متصديًا لمحاولات الطمس المتعمد التي تمارسها (الأشباح)، أو التناسي الذي يفرضه الجيل السابق.

يعي الحفيد تماماً أن الذاكرة العائلية مشحونة بالعواطف وتفتقر إلى الوثائق الدامغة، لذلك سعى كباحث، وسعى جاهداً لكشف الحقيقة التي يتفنن الجميع في طمسها. بالنسبة له، الحقيقة ليست مجرد حنين، بل هي هيجان للذاكرة تمهيداً للمواجهة.

كما يمثل (الصديق) صوت المجتمع الذي يدعو للنسيان كعلاج، حيث يصف فضول (الحفيد) بأنه (عقيم) و(مدمر)، وينصحه بأن (يلهب الذاكرة بالنسيان فهو الدواء الناجع). لكن (الحفيد) يرفض هذا المنطق، ويرى في النسيان خيانة نكراء، وخطيئة كبرى. هو يدرك أن من كانوا يتشدقون ببطولة (الغائب) أصبحوا يتعمدون نسيانه، فيقف هو في الضفة المقابلة لحماية شعلة (الغائب) من الانطفاء.

مارس الحفيد ضغطاً مستمراً على حراس الذاكرة، (الجد) و(الجدة) من أجل استخراج الحقيقة، واصفاً الأول بأنه يمتلك مفتاح القضية، ومتردداً من صوب الثانية التي فقدت ذاكرتها منذ (اليوم الأسود)، موت ابنها (الغائب).

لم تكن غاية الحفيد من البحث عن الحقيقة مجرد استعادة قصة خاله (الغائب)، بل كان يهدف لتحويل هذه الحقيقة إلى (يقظة) لمواجهة (الأشباح الجدد) الذين يتسترون خلف (رعاع أذكياء). هو يرى أن (خيانة الدار) و(غدر الأهل) أخطر من خُبث الخارج، ولذلك يجعل من الحقيقة وسيلة لكسر طوق المهانة.

يعترف الحفيد في مناجاته بأن ذاكرته هو أيضاً مشوهة وهاربة. هو يجلد نفسه بالذنب، ويحاول تصحيح علاقته بالماضي من خلال تحويل (السيناريوهات البديعة) التي رسمها في مخيلته عندما كان صغيراً إلى حقائق يواجه بها العالم.

لقد جسد (الحفيد) قدرة الإنسان على مقاومة النسيان من خلال الإصرار على استعادة “لسيرة العطرة للـ (الغائب)، محولاً إياها من مجرد ذكرى عائلية إلى (فاكهة للأيام القادمة) ودرع يحمي المستقبل من تكرار مآسي مشابهة.

(المايسترو) الرمز الأسمى للقمع والسلطة الاستبدادية:

وظف الكاتب هذا اللقب ليعكس دلالات عميقة تتعلق بطبيعة الظلم وكيفية إدارته. إن اختيار لقب (المايسترو) يحمل دلالة رمزية عالية؛ فهو الذي يقود معزوفة النشاز التي تُسير الأشباح والرعاع، وهو المحرك الذي يرفع عصاه ليوجه العازفين (الجنود والجلادين) نحو تنفيذ إيقاعات القهر.

يصفه الكاتب في قائمة (الشخصيات) بأنه (قذر في ثياب نظيفة). هذه الدلالة تعبر عن الازدواجية في قوى القمع التي تحاول تجميل صورتها أو إخفاء بشاعتها خلف المسميات الرسمية والهيبة المصطنعة، بينما تظل حقيقتها الجوهرية قذارة أخلاقية.

الخلاصة؛ (المايسترو) في الرواية ليس مجرد رتبة عسكرية، بل هو العقل الشرير الذي يحول مآسي الشعوب إلى سيمفونية دمار، ويمثل الذروة في تجسيد القمع الذي لا يرحم عدواً، ولا صديقاً في سبيل بقاء سلطته، ودوامها.

التقنيات السينمائية في بناء الرواية:

استخدم الكاتب تقنيات سينمائية متطورة لتحويل الكلمات إلى مشاهد بصرية حية، خاصة عند تصوير اللحظات القاسية والمواجهات الدموية، مما جعل القارئ يختبر الحدث وكأنه يشاهد شاشة عرض. وتتجلى هذه التقنيات فيما يلي:

  1. الاستخدام الصريح لمصطلحات (زوايا الكاميرا):

فقد قام الكاتب ببناء أجزاء كاملة من الرواية تحت عنوان (سيناريوهات رقصة الفزع الأخيرة)، حيث قسّم المشاهد وفقاً لرؤية إخراجية محددة: اللقطة البعيدة (Long Shot) استخدمها لتصوير تلاحم الشباب حول بعضهم البعض وهم يحرقون مناديلهم كشاهد على الملحمة القادمة، اللقطة القريبة (Closeup) وظفها للتركيز على انفعالات الشباب في مكان معزول وهم ينتزعون أشياء من صدورهم ويرصونها في حفرة، تعبيراً عن القسم على الثأر، اللقطة المكبرة (Extreme Closeup) استُخدمت لتصوير الهيجان، الخفقان، تطاير التراب وتناثر الدمع عند وقوع المعجزة بالقرب من معسكر الأشباح، اللقطات المجهرية (Microscopic Shots) وهي تقنية تنفذ إلى ما وراء السطح، حيث صور القلوب المتراصة في أعماق الأرض التي تبحث عن وسيلة للاتحاد في قلب واحد يسع عذاب التراب.

  1. تقنية “المونتاج السريع” والومضات (Flash Cuts):

في تصوير الأحداث الصادمة والمباغتة، اعتمد الكاتب على لقطات سريعة جداً تحاكي سرعة الحدث في الواقع، ووصفها بأنها (لقطات متتالية الوميض تلاشت بعد رمشة جفن خاطفة)، كما حدث عند تصوير مشهد اقتياد الجد فجراً إلى المقبرة لدفن الغائب. هذه التقنية تخدم إيصال حالة الهلع والارتباك النفسي للشخصيات.

  1. تفكيك المشهد الدموي (Visual Breakdown):

برع الكاتب في (تشريح) اللحظة الدموية لإضفاء ثقل درامي عليها، كما في وصف لحظة استشهاد الغائب: تحديد مسار الرصاصة، توزيع الطلقات. في رواية أخرى للحدث، حدد الكاتب بدقة سينمائية مكان استقرار الرصاصات؛ (الأولى استقرت في الجمجمة والثانية استقرت شامتة في القلب).

  1. مشهد السبي والتمثيل بالجثة (Miseenscène):

رسم الكاتب مشهداً بصرياً مؤلماً يعتمد على الحركة والامتداد المكاني، حيث وصف ربط جثة الغائب في سيارة عسكرية والطواف بها في الشوارع، بما أ سماه (السبي الفاضح)، مركّزاً على التباين بين الجثة المسحوبة على الأسفلت وبين (العيون الخانعة والمندهشة) للمارة.

  1. تقنية “الصورة السلبية” (Negative Image):

استخدم الكاتب مصطلح (الصورة السلبية – سيناريو العامة) لبناء مشهد استنهاض الوجدان، وتلبية نداء الأرض، وكأنه يجهز القارئ لرؤية فيلم وثائقي يبدأ من لحظة إطلاق الأرض لصرختها المدوية.

إن هذه الأدوات السينمائية لم تكن مجرد زينة فنية، بل كانت وسيلة جمالية لتعميق (مرافعة الذاكرة)، حيث تجعل المشاهد الدموية محفورة بصرياً في ذهن (الحفيد) والقارئ معاً، مما يصعّب من مهمة النسيان التي تسعى إليها (الأشباح)، ومن هم في ركبهم.

الصراع بين الماضي والحاضر:

في الرواية يبرز صراع مرير، ومستمر ضد قوى القمع، التي تتشكل في صورتين متمايزتين عبر الزمن: (الأشباح القديمة) التي واجهها جيل (الغائب)، و(الأشباح الجدد) الذين يحذر (الجد) حفيده منهم في الحاضر.

ويمكن توضيح الفروق الجوهرية بينهما بناءً على: طبيعة القوة، أسلوب القمع، القيادة، الأدوات وطريقة المواجهة. مواجهة بين القوة العسكرية والاستعمارية المفرطة، والتنظيم وهو ما تمثله الأشباح البائدة. وبين قوة تعمل في الخفاء تترصد الغفلة لتتبؤ المكان الشاغر بعد رحيل الأشباح القديمة، وهم أشباح تعمل من خلف الستار.

يصف (الجد) (الأشباح الجدد) بأنهم أكثر خبثاً، حيث يخوضون معركتهم المصيرية ضد الوطن بالثياب المدنية، ويمارسون أدواراً مزيفة باسم الوطنية. يقودهم (مايسترو غريب عن الدار) يوجههم من بُعد بإسم (المذهب).

يخلص الجد في وصيته للـ (الحفيد) إلى أن (غدر الأهل أمرّ من خبث الخارج)، محذراً من أن الأشباح الجدد يخططون لأن يصبحوا (أسياد اللحظة)، ولذلك، فإن السلاح الوحيد لمواجهتهم هو (اليقظة) والتمسك بالعهد لضمان المستقبل.

ماذا تريد الرواية أن تقول؟ (الرسائل الجوهرية):

تسعى رواية (الأشباح الأخيرة) لـ (جمال الخياط) إلى تقديم مرافعة وجودية وتاريخية تنحاز للذاكرة في مواجهة النسيان، وللبطولة في مواجهة القهر. ويمكن القول إن الرواية وُفقت في ذلك من خلال بناء سردي معقد يمزج بين التوثيق الرمزي والتقنيات السينمائية.

  • الذاكرة كفعل مقاومة: تريد الرواية أن تؤكد أن الحقيقة المرة أفضل من النسيان المريح. فال( (الحفيد) يرفض نصيحة صديقه بأن (يُلهب الذاكرة بالنسيان كدواء ناجع)، ويصر على نبش الماضي لأن النسيان يمثل (خيانة نكراء) للتضحيات.
  • قدسية “الطين” والولاء للأرض: تشدد الرواية على أن الصراع ليس سياسياً فحسب، بل هو صراع على (كرامة التراب). تظهر شخصية (الغائب) كرمز لهذا الالتحام، فهو (رجل الألم والأمل) الذي يرفض أن تنتهي حياته مثل نعامة هاربًا من الموت، بل يواجهه ليصبح أسطورة تُحفر في وجدان المدينة.
  • التحذير من (الأشباح الجدد): تهدف الرواية إلى إيقاظ الوعي بأن القمع لا ينتهي برحيل المستعمر بوجهه التقليدي. يحذر الجد حفيده من أن هناك أشباحاً جديدة ترتدي الثياب المدنية وتستخدم الرعاع الأذكياء لتزييف الحقيقة وطمس الهوية، مما يجعل (اليقظة) هي الضمان الأوحد للمستقبل.
  • إدانة الخيانة الداخلية: تُبرز الرواية أن أشد جراحات الوطن تأتي من الذين يبيعون ضمائرهم للخونة. فالغدر الذي تعرض له (الغائب) جاء من الداخل (وشاية امرأة النوخذة)، وهو ما يجعل الرواية تقول إن (غدر الأهل أمرّ من خبث الخارج).

هل وُفقت الرواية في مسعاها؟

يمكن القول إن الكاتب نجح في إيصال رسائله من خلال عدة أدوات فنية:

  1. تعدد مستويات السرد: وُفقت الرواية في جعل الحقيقة فسيفساء يشترك في رسمها الجميع. فنحن نرى الحدث عبر هذيان (الجدة) العاطفي، واعترافات (الجد) المتأخرة، وندم (الجلاد)، وحتى عبر مناجاة التراب نفسه. هذا التعدد منح النص مصداقية وعمقاً إنسانياً يتجاوز السرد الأحادي.
  2. التوظيف الرمزي والشعري: نجح الكاتب في تحويل القصة من واقعة تاريخية محلية إلى مأساة إنسانية كبرى. استخدام رموز مثل (المايسترو)، (الأشباح) و(الرعاع) أعطى للعمل صبغة عالمية تصلح لكل زمان ومكان يقاوم فيه الإنسان الظلم.
  3. البناء السينمائي المبتكر: برع الكاتب في استخدام السيناريوهات، حيث وظف اللقطات على مختلف أنواعها لوصف المشاهد الدموية وبطولات (الغائب)، مما جعل القارئ شريكاً بصرياً في الحدث، وهو ما يخدم هدف الرواية في جعل المشهد (صعب النسيان).
  4. النهاية المفتوحة على الأمل: رغبت الرواية في قول إن (الغائب) لم يمت ما دامت ذكراه تُستعاد. وُفق الكاتب في جعل الخاتمة تؤكد أن (الغائب) هو (فاكهة الأيام القادمة)، وأن دمه المنسكب هو الذي رسم (درب الشرف) للأجيال الجديدة، مما حول الهزيمة العسكرية إلى نصر أخلاقي وثقه التاريخ بالدم والتضحيات.

الخلاصة؛ الرواية هي صرخة يقظة نجح الكاتب في صياغتها أدبياً لتقول إن (الأشباح) يأتون ويرحلون، لكن ذيولهم (الرعاع) يحتاجون إلى جيل واثق من أمثال (الحفيد) لكشفهم، وبذلك تكون الرواية قد وُفقت في تحويل (الذاكرة المشوهة) إلى عهدٍ و(ميثاق) للمستقبل.

الافتتاحات الشعرية والنص:

لقد خدمت القصائد والافتتاحيات الشعرية لكل من (محمود درويش)، (قاسم حداد)، (سليم بركات)، (شوقي بزيع)، و(توفيق زياد) البناء الدرامي والرمزي للرواية بصورة جوهرية، حيث لم تكن مجرد زينة أدبية بل شكلت عتبات نصية عمّقت دلالات الفصول وربطت الواقعة المحلية بالبعد الإنساني والكوني.

ويمكن توضيح كيف خدمت هذه القصائد الرواية من خلال النقاط التالية:

  1. تعضيد الثيمة الرئيسية (الأشباح والذاكرة):

استخدم الكاتب مقولة لسليم بركات تتحدث عن القناديل، والبيوت، والأشباح الأخيرة في بداية فصل (محاولة بائسة لقراءة المشهد). هذه الافتتاحية خدمت الرواية من خلال الربط المباشر بين عنوان الرواية وبين النص الشعري، وأيضاً تمهيد القارئ للدخول في فضاء الذاكرة (الضبابية) التي يحاول الحفيد استنطاقها.

  1. رسم ملامح (الغائب) كبطل أسطوري:

خدمت قصيدة (محمود درويش) (أحمد الزعتر) فصل (الجدة/ مرآة الحكاية) بشكل كبير؛ حيث إن البطل في الرواية يُدعى (أحمد) ويُلقب بـ (الغائب). القصيدة تصف البطل بأنه (البنفسجة الرصاصية) و(اندلاع ظهيرة حاسم)، مما يتماهى مع شخصية أحمد (الغائب) الذي تحول في نظر أهله من إنسان رقيق إلى (آلة دمار) وأسطورة تقاوم القمع. لقد ساعدت هذه الافتتاحية في إضفاء قدسية على مشاعر الفقد لدى (الجدة) التي ترى في ابنها قمرًا وتكن له حباً جارفاً.

  1. إرساء قيم الصمود والمقاومة:

في فصل (العراف/ ذكريات متناثرة)، استخدم الكاتب كلمات (توفيق زياد)؛ (إنا هنا باقون.. نحرس ظل التين والزيتون). خدمت هذه الكلمات الرواية عبر إبراز التباين الحاد بين خيانة (العراف) الذي انشق عن أهله ليخدم الأشباح، وبين صمود (الأهالي) المتمسكين بالتراب، وعززت من فكرة أن المقاومة هي جهنم في قلوب الصامدين.

  1. التعبير عن وطأة الفقد والعدم:

افتتح الكاتب فصل (بقية الحكاية) بكلمات من قصيدة الشاعر (قاسم حداد)؛ (مكان آمن للحب)، فقد خدمت هذه القصيدة الرواية في تصوير حالة الانتظار واليأس التي تعيشها الشخصيات الرئيسية، كما أعطت بعداً فلسفياً لسؤال (ماذا يختفي فينا؟) وهو السؤال الذي يحرك (الحفيد) لنبش الصور والذكريات المدفونة تحت التراب في بيتهم.

  1. تهيئة المناخ النفسي للفصول:

استخدم الكاتب كلمات للشاعر (شوقي بزيع)، لافتتاح الرواية وهي تتحدث عن (قمر تشتبك الأشجار عن دمه المنسي)، وهي من هيأت القارئ لمسألة الاستشهاد. أما افتتاحية فصل (الجد/اكتشاف جديد للحكاية) فهي تتحدث عن (تراب كان.. ورياح تزحف خلف الموتى) فقد خدمت تصوير حالة الجد الذي أجبره الأشباح على الصمت لسنوات طويلة.

  1. إضفاء صبغة (المعجزة) على الموت:

في فصل (حديث الوجع/مناجاة متلبسة)، استشهد بكلمات الشاعر (محمود درويش): (مرحى! ستصطف حولك خروبتان، وأرملتان.. شهوداً على العبث البشري، شهوداً على المعجزة)، خدمت هذه القطعة الرواية في تحويل موت الغائب من مجرد انكسار إلى (معجزة) وشعلة عصية على الإنطفاء، ساعدت في توثيق فكرة أن دمه المنسكب هو (شرف تصبب على سيل التراب).

الخلاصة؛ هذه القصائد لم تكن مجرد استشهادات، بل كانت بوصلة شعورية وجهت القارئ نحو المعاني العميقة التي أراد (جمال الخياط) إيصالها، محولةً الرواية من حكاية محلية إلى ملحمة إنسانية تتغنى بالبطولة وتدين الخيانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *