في فترات مختلفة منذ نشأة وتطور الحركة الأدبية الجديدة في البحرين ظهرت بين الحين والآخر كتابات نقدية حول الأدب المحلي الجديد ( في الشعر والقصة والرواية والمسرح) وخضعت الأعمال الأدبية والفنية إلى تقييمات واجتهادات نقدية متباينة منذ البداية وحتى وقتنا الحاضر وفي وقت – نعتقد – انه لم يتبلور أو يتشكل فيه أي تيار نقدي أدبي واضح المعالم بالمعني الدقيق للكلمة ودون إن ينفي ذلك بطبيعة الحال تبلور بعض الاجتهادات النقدية المضيئة التي أسهمت إلى حد ما في تعميق الرؤى النقدية اللاحقة. إلا أن الاجتهادات النقدية المبكرة لم تنج من عثرات البداية وبالتالي فقد كان من الطبيعي جدا والحال هذه إن ينتشر في الوسط الأدبي (سواء في أوساط الأدباء ذاتهم أم في وسط جمهور قراء الأدب) ما يمكن إن نسميه بالنقد الانطباعي وهو النقد الذي ترك بصمات واضحة علي النقد المدرسي الأكاديمي في مرحلة لاحقة . ومع تطور الحركة الأدبية البحرينية في السبعينات والثمانينات بعد تنوع وتعدد مصادر الثقافة الأدبية واحتدام الصراع الفكري والأيديولوجي بين تياري التحديث الأساسيين في حركتنا الأدبية (التيار الواقعي والتيار الشكلي) وبفعل يباين مصادر الثقافة الفكرية طفحت إلى سطح حركتنا الأدبية ما يمكن إن نطلق عليه إرهاصات النقد الأيديولوجي.
لقد تأثرت معظم الطروحات النقدية في حركتنا الأدبية إلى حد ما بالمدارس النقدية العربية والعالمية سواء بطريقة القراءة الذاتية والتثقيف الذاتي أم بواسطة الدراسة الأكاديمية . وغالبا ما تم توظيف تلك الطروحات بغية التأكد علي صحة مفاهيم ومقولات فكرية وأيديولوجية معينة ونفي أو استبعاد مفاهيم ومقولات فكرية أخرى تتعارض مع الأولي أو تتناقض معها. وبذلك أصبح النقد غلافا للصراع الفكري وقناعا له وتم إقحام النتاج الأدبي المحلي في حلبة الصراع الفكري.
بيد أن المتأمل لواقع النتاج النقدي الأدبي في البحرين يمكنه إن يلمس فيه الكثير من مظاهر عثرات البداية : سنجد أمامنا تطبيقات نقدية على القصة و الشعر والمسرح تتراوح في مستوياتها التقيمية وتتأرجح بين الطموح لتحقيق نوع من التماسك المنهجي في دراسة النص الأدبي وتحليله وبين غياب الوضوح المنهجي علي المستوي التطبيقي. وسنجد أن هناك من يقوم بدراسة عناصر معينة في نص أدبي معين على حساب عناصر جوهرية وأساسية أخرى في نفس النص الأدبي موضوع النقد وأحيانا نعثر علي ضرب من تداخل الرؤية الذاتية للناقد وانطباعاته الشخصية مع منظومة آرائه الفكرية والأيديولوجية وإنزالها على النص الأدبي المقروء بمعني قراءة النص من الخارج وإسقاط فكر الناقد وتفسيراته الخاصة بعد تطويع بعض فقرات وجمل النص وبما ينسجم مع تلك الانطباعات و الآراء الذاتية ودون فحص النص والإمعان في دلالاته بوصفه عملا مستقلا عن رؤية الناقد وانطباعاته الشخصية. وأحيانا نواجه نزعة خفيه لمقارنة نص أدبي محلي بنص أدبي آخر غير محلي (ربما لوجود بعض العناصر المتماثلة في النصين) ودون تأمل التمايزات بينهما.
وكثيرا ما نلتقي بخطأ نقدي شائع في كتاباتنا النقدية مفاده الخلط بين شخصية الشاعر أو القاص وبين الشخصية الأساسية في القصيدة أو القصة خاصة إذا كانت الشخصية في العمل الأدبي تنطق بطبيعة المتكلم ويعزز ذلك أنه الناقد هنا لديه معرفة شخصية بالأديب وبأفكاره فيتصور بالتالي أن ما ورد في القصيدة أو القصة يعكس بالضرورة تجربة الأديب نفسه. وعلاوة على ما تقدم فأن بعض الكتابات النقدية لدينا تحفل باستشهادات على المؤثرات الممكنة التي تأثر بها الأديب وبالتالي التعويل على مصادر ثقافة الأديب – الكاتب دون التقيد بتحليل النص الإبداعي وتفسيره بشكل مستقل عن مصادر ثقافة الأديب، ولعلنا لا نبالغ كثيرا إن اجتهاداتنا النقدية قد شرعت في إنزال مفاهيم ومقولات المدارس الأدبية الكبرى (كالرومانسية والواقعية والواقعية الجديدة والسريالية …الخ) على النتاج الأدبي المحلي دون مراعاة انطباق تلك المفاهيم والمقولات على الأدب المحلي من عدمه.
وبحيث أننا قد أصبحنا نواجه تقسيمات نقدية متعسفة للأعمال الأدبية المحلية كالقول مثلا إن قصص محمد عبد الملك تنتمي إلى الواقعية النقدية أو الفنية أو أن قصص أحمد خلف رومانسية الأصل وأن قصص عبدالله خليفة واقعية اشتراكية أو إن قصائد قاسم حداد و علي الشرقاوي هي قصائد سريالية ..الخ. وقد سادت هذه التقسيمات الفضفاضة ردحا من الزمن لكن دون إن تجد لنفسها تجليا ملموسا في الأدب المحلي إلا فيما ندر. ويخيل إلينا إن هذه التقسيمات بمختلف أشكالها لا تخرج عن كونها مسميات أو نعوتا لاتجاهات أدبية عامة تعبر عن روح عصر معين دون إن تجد لنفسها تجسيدا واضحا بالضرورة في عمل أديب معين أو مجموعة أدباء ينتمون إلي نفس الاتجاه الأدبي العام ذلك أنها لا تصلح إن تكون نعتا ثابتا لأعمال أدبية معينة.
من المهم جدا إن يتذكر المرء إن العمل الأدبي ذاته وجودته هو الذي يستحوذ على اهتمام القارئ أما النعت الموصوف به العمل فهو أمر لا يهتم به القارئ كثيرا بل ولا يعنيه أصلا.
لقد شاعت في دراساتنا النقدية مفاهيم ومصطلحات كثيرة مستقاة في الغالب الأعم من الخطاب النقدي العربي والعالمي وانشطر كتابنا إلى فريقين .. فريق يطمح إلى استنباط دلالات أيديولوجية ومواقف اجتماعية من العمل الأدبي بالتركيز على مضمون العمل الأدبي وموضوعاته بالتعويل على مقولات الأدب الواقعي كالانعكاس الفني والوجود والوعي الاجتماعي والبنية التحتية والبنية الفوقية وفريق آخر اثر النظر إلي الأعمال الأدبية من وجهتها الشكلية البحتة بتقصي البنية اللغوية والأسلوبية والاقتصار على الوصف السكوني لعناصر العمل الأدبي. ويمكننا إن نلمس هذا التوجه الأحادي الجانب للخطاب النقدي في حركتنا الأدبية منذ بداية الستينات وحتى مطلع التسعينات مجسدا بدرجات متفاوتة في كتابات كل من د.محمد جابر الأنصاري وأحمد المناعي ود.ابراهيم غلوم ود.علوي الهاشمي وقاسم حداد وعبدا لله خليفة ومحمد عبد الملك ويوسف يتيم ومحمد البنكي ويوسف الحمدان وغيرهم كل حسب مصادر ثقافته الذاتية أو الأكاديمية وبالطبع لم تخل تلك الكتابات في أحيان كثيرة من تسليط الضوء على النتاج الإبداعي المحلي برؤية نقدية متماسكة إلى حد ما.
ولعل من بين أحد الأسباب الجوهرية لعدم تبلور اتجاه نقدي محدد المعالم في حركتنا الأدبية الجديدة، انقطاع الكتاب – النقاد عن الكتابة النقدية (سواء التنظيرية أم التطبيقية) لفترات زمنية طويلة نسبيا لأسباب لسنا هنا بصدد التعرض أليها، بحيث أصبح أمامنا كم كبير من النتاج الإبداعي المحلي دون متابعة نقدية جادة إلا في أحوال قليلة عندما يقوم بعض الكتاب بعملية المتابعة في الصفحات الثقافية وهي متابعات تقتضيها طبيعة العمل الصحفي ذاته. ومما يضاعف من أزمة غياب النقد الأدبي المنهجي، ندرة الكتاب من النقاد الأكاديميين المختصين في حقل النقد الأدبي وخلو الساحة الأدبية -تقريبا- من حضور أي ناقد مختص ومتمكن من أدوات النقد الأدبي الجديد الشائع في أوروبا وأمريكا وغيرها من بلدان العالم المتقدم وكذلك قلة أعمال تعريب وترجمة الكتابات النقدية الأجنبية في منطقتنا قياسا بالأعمال المترجمة في المغرب العربي أو في مصر وسوريا ولبنان والعراق.
وغني عن البيان انه ما من حركة نقدية في أي بلد تطورت وترسخت جذورها وتقاليدها بمعزل عن تواصلها المستمر مع سواها من حركات نقدية في البلدان الأخرى. وقد أصبحت الفرصة سانحة في عصرنا الحاضر أكثر من ذي قبل لخلقة وتعميق التواصل الأدبي والثقافي مع الآداب والثقافات الأخرى عبر شبكات الاتصال العديدة والتي لن يكون آخرها الانترنيت.
أن الحركة الأدبية الجديدة في البحرين وبعد إن قطعت شوطا طويلا في ممارسة فعل الإبداع الأدبي والفني (القصة والرواية والشعر والمسرح والفنون التشكيلية) أصبحت بحاجة اليوم إلى التحريض على الإبداع النقدي الجديد. وفي اعتقادنا أن أول خطوة ينبغي أن نخطوها نحو البحث عن طرائق نقدية جديدة هي البدء بخلخلة منظومة الأفكار النقدية السائدة بقراءة النتاج النقدي أو الكتابات النقدية حول الأدب المحلي قراءة نقدية فاحصة بجانب مطالعة النتاج الإبداعي موضوع النقد بقصد استكشاف واستنباط الإضاءات النقدية الإيجابية وتجاوز مظاهرها السلبية ومواطن قصورها.
أن المعضلة الأساسية التي ستواجه النقد الجديد تكمن في كيفية خلق ذهنية نقدية لدي قارئ الأدب أو بمعني آخر خلق القارئ -الناقد بدلا من القارئ المتلقي السلبي.
أن القارئ الناقد يقرأ النص الإبداعي برؤية فاحصة وهو القارئ الذي يريد أن يقول رأيه بعد الانتهاء من قراءة القصة أو القصيدة أو المسرحية .. الخ لذلك فأنه يقرأ النص بتمهل ورؤية أو ربما يعود لقراءة النص مرتين أو أكثر لان لديه توقا شديدا لتقييم العمل الأدبي ذاته نتيجة ما استقاه من انطباعات وأفكار أراء نابعة من النص ذاته أو من قراءته لنصوص أخري يريد مقارنة بعض ما ورد فيها بأفكار أراء النص الماثل أمامه أو ربما تكون هناك بعض التصورات في النص الأخير مشابهة لتصورات مختزنة في ذاكرته يطمح لاسترجاعها واكتشافها.
يوسف عبدالله يتيم.
ناقد من البحرين
