ثمة باب موصد في غرفة المخزن ..
موصد كذاكرتي اللاهثة خلف صور باهتة .. مغبر كالسنين الماضية من عمري .. مكبل بخيوط عنكبوت كأيامي التي يلفها الحزن. أي فضول هذا الذي يحرك مخيلتي كي أتسلل إلى المخزن المهجور لأستكشف مجهولاً خلف قطعة متآكلة من خشب رديء؟ ولماذا لا يتسلل الخوف إلى مغامرتي التي أقدم الآن عليها؟ كل تساؤلات العالم لن تستطيع كبح جماح فضولي. كل مياه الدنيا لا تقدر على إطفاء شعلة الحقيقة في داخلي. وأنت أيها الأب المتعجرف دائما لماذا تعتقد بأنني أبنك الأبله وأنه يجب علي أن لا أناقش ترهاتك، وأن أصدق كل الأكاذيب التافهة والكلام الملفق الذي يقذف به فمك على الدوام .
قلت نصف الحقيقة وأخفيت متعمداً النصف الآخر .. النصف الجميل .. النصف المليء بالترقب والإثارة. لماذا لا تحكيه ؟ هل صحيح أنك تخشى الحقيقة وأنها تمزق أحشائك ؟ لماذا تهزأ دائماً من جدي وتنسب إليه إخفاقك المفجع في التصالح مع الحياة في كل مناسبة تجتمع فيها العائلة؟
انه العاقل الأوحد في هذه العائلة العريقة بالجنون . لا ضير أن يحلم ذلك الكهل بالأبيض والطاهر ، ولا بأس من أن يلتحف أمانيه الطرية استعداداً للحلكة القادمة . ليست جريمة أن يتدثر الجد الوقور بسعادته المنتظرة . لا ضير من الحلم عندما يكون الواقع مراً .
هل تسمي أحلامه الصغيرة جريمة كبرى ؟ كلنا نحلم كالصغار عندما تفاجئنا الأيام ونكبر، نحلم أن نعود صغاراً . ليس صحيحاً ما تروجه عنه أيها الأب المتعجرف . كن منصفاً وأنت في طريقك للحط من قدره .
يا لضحتك الماجنة ، الشريرة . يا لنفسك البدوية ، القاسية ، الجاحدة . أنت تعلم – أكثر من غيرك – أن الجد الأكبر فتح أبواباً كثيرة أثناء رحلته الاستكشافية الرائعة. لا أدري لماذا كنت تتغافل عن باب الثراء الذي فتحه لكم أجمعين على مصراعيه . باب اللعنة كما وصفه قبل أن يفارق جشعكم .
لهذا الباب الموصد ، المعتزل في ركن هادئ من المخزن وضعية مختلفة عن كل الأبواب في المنزل الكبير. بالكاد غيروا كل الأبواب التي تتجاوز العشرين بقليل إلا هذا الباب الذي لا يزال يقاوم شراسة أبي والآخرين . هل تذكر أيها المتعجرف ماذا كنت تثرثر عن هذا الباب الخرافي:
جدي لا يعرف السحر ولا يفقه في أي أمر من أموره الخبيثة. جدي الطيب يمقت الشعوذة ويخاف كطفل من زمرة السحرة ومن هم على شاكلتهم. سر جدي الفريد أنه عاشر الأشياء فأخلصت له أكثر من البشر . كانت الأبواب لعبته وفنه ، يصنعها بنفسه ليأتمنها على أسرار عالمه وخفاياه ، يسقيها من عرقه فتطعمه من صلبها ليستقيم.
للأبواب مع جدي حكاية ..
وحدها جدتي التي احتفظت بذكرياته الجميلة في قلبها الذي لم تعجزه السنين . تجدد شبابها وهي تحكي كيف يتلذذ الجد كالغلام في صنع الأبواب .
جدك يستأذن الخشب قبل أن يصنع منه باباً ، يعطيه وعداً أكيداً بأن يخلع عنه لعنة الجماد ويطلقه إلى عالم الجمال الحي . ليلاً يصنع جدك أبوابه .. ليلاً فقط .. وحيداً .. بعيداً عن فضول البشر . يبدأ عمله قبل انتصاف الليل بساعة واحدة حين يخرج قاصداً براحة بن غتم وينتهي قبل آذان الفجر بقليل. يفرش الأخشاب في الساحة الخلفية ويتعرى في الظلام ، ثم يستحم فوقها كطفل يشاغب دغدغة الماء البارد . يقضي الليل في تصميمها ، ثم نقشها ، ثم قصها دون أن يحدث ضجيجاً أو أدنى جلبة يزعج بها البيوت المجاورة .
لجدك طقوساً تثير العجب والسخط في آن واحد ..
تأخذ الناس الدهشة من السرعة التي ينجز فيها جدك أبوابه . في بضعة ساعات يصنع باباً جميلاً ، وجريئاً . وحالما ينتهي من صنعها يحفظها في المخزن عدة أيام حتى تستنشق عبق العتمة . تلك هي فلسفته المضيئة والتي لا يكترث إليها البشر من حوله . أما متعة جدك يا بني فهي عندما يقوم بتركيب الأبواب . ذلك هو اليوم المشهود في حياته ، وأيضاًلسكان حي بن خاطر والأحياء الصغيرة المجاورة . الكل يخشع عندما يبدأ في تركيب الباب . في ذلك اليوم الرهيب يستيقظ باكراً ليؤدي صلاة الفجر مع الجماعة القليلة في المسجد ثم يعود ليتناول إفطاراً بسيطاً مكون من تمرتين وكوب لبن طازج ثم يقضي الوقت المتبقي حتى شروق الشمس في الاستحمام. يخرج من الحمام ليتطيب بأغلى لعطور المحلية ويلبس أفخر ثيابه ثم يدخل المخزن وحيداً قرابة الساعة يتلو بصوت مرتفع قصائد غامضة تمجد يوماً أو شيئاً يحبه ، أو كلاهما معاً . أخيراً يخرج إلى البراحة وهو يسحب الباب كما لو كان يلعب مع طفل من صلبه . كان يفعل ذلك دون مشقة أو تعب . وهو في طريقه لا يلتفت إلى أحد ، ولا يرد على تحية أحد ، ولا يجيب تساؤلاً لأي مخلوق كان . يسير صامتاً ، معتداً بنفسه ، وببابه الخرافي .
كلنا كنا نقتات العجب ونحن نشاهد جدك الذي تخطى جدار الستين وهو بكامل حيويته، يضع برشاقة باباً ثقيلاً في مكانه . يهمس للباب بحنو تارة ، وللفراغات والطوب تارة أخرى بكلمات هيروغليفية . يتبادلون نخب المحبة والألفة حتى يستقيم الباب في مكانه، عندئذ يبكي جدك ثم يطلق صرخته المنتصرة .. الله أكبر .
لماذا لا يصدق هذا الأب الجاحد هذه الحكاية البديعة ؟ ولماذا يصر على وصفها بالخرافة؟ لماذا يتهكم على الحكاية في كل مناسبة ؟ ولماذا يحتقر جدي وجدتي ويحنق على الأبواب، تلك التي لا تروض ؟ لماذا يلعنها في كل فشل يصيب حياته ويتوعد باقتلاعها وكأنها السبب في إخفاقه ؟ لماذا لا يدرك هذا الجاهل أنه لا يقدر على عناد الأبواب عندما يقرر استبدالها بأبواب هشة ؟ يجب أن يعلم أن الأبواب تعلمت أن تكون عنيدة من جدي الصلب ، وأن كبريائها المدهش زرعه العجوز في مسامها .
لا يعلم أبي ماذا يقول عنه أهل الحي في غيابه . هو لا يدري بأنهم أخلص أصدقاء جدي العظيم، وأنهم باتوا يحتقرونه . أبي لا يعلم بأنه أصبح أضحوكة عند هؤلاء العقلاء، وأنهم يتندرون عليه أمام الصغير والكبير . يقولون بأنه قضى عمره وهو يخلع الأبواب الصديقة ، الوفية . يقولون بأنه أبله لا يفقه لغة الخشب ، وأقول بأنه بات يعاملنا كما يعامل الأبواب ، ببلادة وفتور.
كل الأبواب رفعت الراية البيضاء إلا هذا الباب ..
” أما أن أخلعه أو أهدم المنزل ” ،،
هكذا كان يردد أبي المتعجرف . يريده سليماً لا يمسه خدش. يريده بشموخه حتى يحطمه بكل العزة والفخر أمام الذي يحتقرونه ، ويعيرونه ، ويتندرون عليه . يريد هذا الأب غريب الأطوار أن يستعيد كرامته الضائعة منذ شتم الأبواب علناً ، كان ذلك ليلة رحيل الجد العظيم . وجد نفسه ضعيفاً أمام الباب الأخير الذي صنعه جدي ومات قبل أن يضعه في المكان الذي أراده له . كادت الحيرة تصيبه بلوثة . أين كان سيضع تحفته النادرة؟ لا يرى مكاناً لهذا الباب ، ولو كان صنعه لأحد – وهذا لم يحدث قط – لماذا لا يأتي من يدعي ملكيته ويأخذه . لا يوجد إلا تفسير واحد أستقر في ذهن أبي المسكين .. هذا الباب أحتج على نهاية صانعه وثبت نفسه على الجدار القديم ، مستغلاً انشغال الجميع في مراسم العزاء .
رجل متعجرف ، وباب موصد لا يحمل قفلاً ، وأشياء كثيرة بينهما تكاد لا تنتهي . أسئلة تتوالد إجابات تتكسر كالأمواج على شاطئ الاستغراب الصخري . وأنا – على الرغم من صغر سني – أحاول أن أجد حلقة مفقودة ترجع للأشياء ، كل الأشياء رونقها المتلألئ .
أنا .. وجدي
الصحو .. والمنام
.. والباب الموصد في غرفة المخزن الحقيرة حلمنا الذي لا فكاك منه ، رغبتنا المستحيلة، أمنيتنا الخضراء في صحراء جرداء ، ربيع كل الفصول الذابلة .
أنا .. وأبي
الرغبة .. واللوعة
.. وباب موصد في غرفة المخزن العتيقة يفرق إحساسنا المتأجج بالحب ، وعد المستحيل الذي لن يأتي بالبشرى ، اختناق الرغبة في ليل الأمنيات ، واندلاق الكراهية على سطح القلوب .
.. ولهجة الوعيد والتهديد كانت حسامك القاطع ، المفضل أيها الأب المتعجرف . مرحى لك انتصار الجبناء . هنيئا لك طعنة الظهر التي أهدتك هزيمة من حيث لا تدري . فلتنعم بنصر مؤقت سرعان ما تفوق منه على حسرة وندم .
غداً هو يومك المشهود . دعوتك الحاقدة طافت كل حواري المحرق ، من حدود الحالة البحرية وحتى أطراف البسيتين البرية تعلن حتف الباب ، والرخصة الرسمية التي حصلت عليها للهدم تحذير مؤقت لفشلك الذريع في اقتلاع تحفة الباب . هل تتذكر ذلك الهرم الذي تتندر عليه الآن أمام أقربائك وأصحابك ماذا كان يقول في مثل هذه المواقف :
وأنت – حسب مواصفات جدي – لست رجلاً بمعنى الكلمة . يؤسفني أن أقول ذلك وأنت أبي الذي يفترض أن أنشد أحترامه وأخشى على حبه وألمع سمعته . نعم أنت لست رجلاً، فالرجل لا يحطم كبرياء جده العجوز وكأنه يتسلى بتحطيم ثمرة جوز جافة ، ولا يثأر من ذكرى رجل ميت علناً أمام أحبابه ، وتحدي خشب بالي لا حول له ولا قوة .
.. غداً سينتقم المتعجرف لنفسه
وهذا الانتقام يقلقني ، ويضيع من رأسي لذة النوم . كلما حاولت النوم ينتصب الباب المصقول أمامي وكأنه فرغ للتو من يد جدي تلمعه . أقترب منه ولا أستطيع أن ألمسه ، فقط أشتم رائحة جدي تفوح من مسامه اللامعة . وكنت أبكي ، وأبكي ، وأبكي …. حتى تمكنت من حيث لا أدري من مسك مقبضه المذهب ، وحركته بلطف ، ثم دفعته قليلاً للأمام .
لم يكن كلام أبي المتعجرف صحيحاً كما توقعت تماماً ، لم يكن هناك طوب وراء الباب الخرافي. على النقيض تماماً فقد وجدت عالماً مضيئاً ، جميلاً ، وكنت أكلم الباب كما لو أنني أكلم أنساناً عاقلاً . كان الباب يكلمني بصوت جدي عن الحب ، وتحقق المستحيل ، وامرأة لا تنتمي لهذا الزمان .
.. تلك كانت جدتي التي مسكتني من يدي لتأخذني إلى جدي المستاء من أستعمار العمالة الآسيوية للبراحة . كان ينتظرني في حجرته القمرية لنتكلم بحرية مطلقة عن الحلم .. وأبي المتعجرف .. والأبواب التي ظلت مثله .. عنيدة .. وأبية دائماً

