قصة: استيقاظ الملائكة.

السلاسل التي أحكمت العزلة والأقفال التي تواطأت معها لم تمنعا هروبه لذلك هو حر بالداخل، طليق من نفسه التي سجنوها خلف جدران باردة لا تنتمي لهذا الطوب الذي شيدته يداه، مغلفة أوقاته بقسوة المراقبة اللصيقة وجلافة السجانين الشواذ. في الفترة القصيرة/الطويلة الماضية قضى معظم وقته الممل محتقناً بظنون اصطناعية لفقها الرقيب المتواري وما شيبت شعر رأسه؟ منزوياً في ركن قصي لا يلوثه الضوء الخجول إلا من بذور أحلام عبثية مهووسة بالرغبة الجسدية تعمدها أن تخلخل من توازن ذلك المعتوه أو رفاقه علها تشاغب لوثتهم المزمنة وتغزل رؤيا مشوشة لا تصادرها نزوة جبان فيرحلون على عجل.

يغمض عينيه المتورمتين فيعود إلى نقطة البداية التي نسجها أولئك المرضى في أوراقهم الصفراء ووصفوها بـ (العدم). هناك حيث يفترض بالسراب أن يتبرعم أملاً، والأوهام تتزين في الخيالات المتيمة أحلاماً يطوعها الواقع. لكنها تنفر من الصدأ الذي يعتلق في كل شيء .. حتى الوساوس، وتتلاشى كالندى عندما يباغته ضوء الشمس الأول. ترى أين كانت تنوي الرحيل من دونه وهو اليقظ إلى مراوغتها الماكرة.

كانت هناك. البقعة التي خطط للوصول إلى عذريتها، ولن يتخاذل عن المواجهه أو يتقاعس عن الدفاع عن أعز أمانيه حتى يكسب الرهان الصعب الذي كبلوه به. كان كلما ضاقت به السبل وأفتقد الذرائع لملم آماله العريضة في غيمة حبلى بالندى والفرح البكر وأودعها السماء المطمئنة لبرق يبعد العاديات، ويمضي سعيداً نحو منتهى الهوى، ثابت الخطوة، واثق النفس، يسير دون تلكؤ إلى سجنه الذي ما مله قط، ولا يود أبداً .. أبداً مغادرته.

الثلج يغطي الحديقة العامة التي تبعد عدة مبانٍ في مواجهة بيته. أي جغرافيا مجنونة هذه التي تسمح للبياض أن يتعملق في عز أغسطس. ضحك كثيراً بصوت تعمده مسموعاً ليوترهم أكثر ويزعج اطمئنانهم. من وضع السلاسل اللعينة وخبأها بعناية عن أنظار الناس كان من السذاجة إلى حد إغفاله أن نفس الناس لن تنطلي عليهم حيلة الثلج الغبية، وبانهم سيكتشفون هذه المؤامرة الرخيصة حالما يطرق الفجر زجاج نوافذهم بندى خجول، عندها فقط سيخرج من سجنه الذي ارتضاه ويجر نفسه، واضعاً حياته في كف هؤلاء الناس الأنقياء، علهم ينصفونه، وسيفعلون.

ملعونة هذه الثواني وهي تتمطط بملل لتمارس مع حارس الوقت البغيض لعبة أقل ما يمكن وصفها بـ (السمجة). كم يكره هذه اللعبة السخيفة التي لا تقدر إلا على هتك المطمئن من أحاسيسه المتوترة. الموعد قريب ولا شيء يمكن أن يحول دون أن يسبغ متعته اللذيذة على لحظاته المريرة. مواجهة منتظرة .. وغواية متمنعة تنتشي بتعاسة الماضي الذي يمقته الجميع بما فيهم الرقيب وسجانوه بنفس القدر. ولا مكان للخجل الذي يجب أن يعريه دون مواربة كي يتوارى إلى غير رجعة.

فطنوا أخيراً إلى أن لعبة الثلج غير مجدية فأستبدلوها على مضض وقبل أن تحل الفضيحة بخريف أقرب للموت منه للذبول. طرزوا السماء بشفق مهترئ يخلو من قرص مزيف للشمس. نثروا زمرة من مشردين متنكرين حول المنزل وفي ضواحيه القريبة للنظر. اغتصبوا المباني الأمامية حتى لا يرتبك أمامه مشهد الحديقة بفعل حاجب طارئ تجلبه هذه الأماكن أو الطرق الموالية لها.

اللعنة .. كيف قدر لهم أن يشطبوا تاريخاً عريقاً من أمكنة، وبشر، وذكريات لا تعوض بجرة من ريشة فنان مخبول؟ ما دام أسترخصوا الذاكرة الحبلى بآمالهم وأحلامهم من أجل شهوة آنية فالنيل منه سيكون كرنفالاً أبدياً لا تحده نهايته المنتظرة.

وحده في البيت الكبير .. الواسع. لم يعد هناك حراس غلاظ يشاغبون خلوته بعد هذه اللحظة. حتى الأثاث صادروه وأكتفوا باعتذار مقتضب أقرب للأمر العسكري كتبوه على الجدارن الداخلية لدورة المياه: (الأخشاب في العهدة حتى تنجلي الغمة). سرعان ما اكتشف كذبتهم فلم تكن الأخشاب وحدها المغتصبة. هناك ضحايا كثر. اختفت الأقلام .. المناشف .. المناديل الورقية .. الأطعمة والمأكولات .. المشروبات .. الملابس والأحذية .. الكتب .. المجلات .. المشغلات التليفزيونية والسمعية .. اللوحات والمنحوتات .. الصور والشهادات. لا هاتف. لا أوراق. لا دواء. لا مصابيح أو مدافئ. لا سجاد. لاشيء مطلقاً. لاشيء؟ أخذوا روح بيته وتركوه وحيداً، مستوراً بثياب الأمس. تركوه مثل طعم. أو هل أضحى الهدف. لا أحد يعرف .. ربما؟

بقيت المفاجأة الكبرى لتعيره على مأساوية الوضع الذي تلبسه. متى نزعوا الأقفال الرخوة من على الأبواب؟ وكيف حرروا النوافذ من السلاسل الهلامية؟ ما الهدف الذي ينشدونه عندما عمدوا إلى جعل المنافذ مغرية للهرب بتحريرها قليلاً؟ ضحك مرة أخرى على سذاجتهم البائسة وقرر جازماً أن يبادلهم ذات السذاجة ويساير تفكيرهم الضحل بالمضي نحو مصيدته التي زركشوها بخريف لم يطأ قط هذه الأرجاء. لم يتبق لديه شيء ليخسره بعد أن استبدلوا بيته الرائع بصندوق كبير، مستطيل الشكل، مطلي باللون الأبيض. أحتفظ بنفسه في مأمن عن مكرهم ومضى بخطى ثابتة نحو المجهول الذي توارى خشية فضحه.

يفتح الباب الذي وصله بعد أن قطع مسافة عمر. يقف على عتبته الخارجية وينظر بحذر وتفاؤل في كل الإتجاهات التي يعرف أنها مزروعة بمكائدهم وخياناتهم المشينة، ملونة بدسائسهم المبرقعة. كيف قدروا على تفريغ الفضاء من مكوناته حتى يبدوا بهذا الاتساع والخلو؟ صوت زقزقة العصافير ليس طبيعياً البتة. بعد محاولة مضنية للتركيز اكتشف بأن الأصوات الخافتة مألوفة على مسامعه لدرجة كبيرة. آه .. أنها بداية مقطوعة (استيقاظ الملائكة) للموسيقار النيوزلندي (باز مانتيس). عرفها عند دخول نغمات الجيتار الخفيفة التي لم يقدر على إخفائها مهندس الصوت المبتدئ؟ أصابته الحسرة في مقتل بعد ضياع مكتبته الموسيقية التي تضم أعمالاً نادرة لعمالقة موسيقى العهد الحديث من أمثال اليوناني (ياني) والإيراني (آرميك).

ينتظرون منه خطوات أكثر .. وينتظر هفوتهم المدوية. الشغف قاسم مشترك وحتى يحين وقت المواجهة الفعلية تراجع بخطوات سريعة وقرر أن يعتكف في صومعته، يرقب إنجلاء الغمة كما يدعون وتواري الفزع إلى خط الوهم. لم يتعود الخوف .. بل لم يختبره قط في حياته .. لكنه الحذر الذي بدأ طريقه إلى قلبه منذ هذه المحنة.

طالت فترة الحذر أكثر من توقعاتهم. لم تعد قطعة الجبن الصغيرة تغري الفأر المذعور، والخوف على حياته أجبره على إسكات معدته الخاوية رغم جوعه المجنون الذي راهنوا عليه من جملة خيارات عدة. لم يتوقعوا كل هذه المقاومة وهم الذين قضوا عمراً في دراسة سلوكه ووضعوه تحت المجهر في تجارب تحاكي الواقع إن لم تكن أشد قسوة. بدأ صبرهم ينفذ فعمدوا إلى نثر أناس حول البيت العاري/المصيدة، يتقاطرون في طرق مصطنعة، بعضهم يسير نحو وجهة مجهولة ويتلاشى ذوباناً كما لو أنهم تماثيل متحركة من الشمع، والبعض رسم لهم أن يتوقفوا بميكانيكة مضحكة في منتصف المسافة في مواجهة المنزل حيث يشاهدون بوضوح وهم يتبادلون التحايا ويثرثرون في مواضيع سخيفة لا تستحق كل هذا الوقت الطويل أو تستدعي الضحكات الصاخبة. هذه المشاهد المبتسرة تذكره ببدايات أفلام الأنسان الآلي في السينما الأمريكية. حتى هذه المحاولة لم تفلح. ليتهم يرسموا مشهداً مقنعاً دون افتعال، ودون أن يزجوا من هم خارج اللعبة. ليتهم يسقطون الأقنعة ويكشفوا حقيقتهم. هكذا كان يحدث نفسه وهو يوصد الباب. ولأن الأقفال أنتزعت قرر أن يصبح القفل ويسند الباب بجسده علهم يتجرأون ويقتحموا صومعته بأنفسهم .. ودون وساطة غبية.

حركوا قليلاً مشهد الخريف الراكد عبر بث ريح خفيفة زحزت الأوراق المصفرة والملصوقة بعناية على الأخشاب القديمة التي حاولوا رسمها كي تبدو من بعيد أشجاراً. أخذته الدهشة عندما صدق هؤلاء الممثلون زيف الطبيعة وأصتصغر انصياعهم في أدوار مبتذلة مقابل ثمن زهيد هو وضاعتهم؟ أين أختفى الناس الحقيقيون الذين على شاكلته، وماذا فعلوا بهم؟ إلى أين اندحر صيف أغسطس، وهل اغتالوه؟ ماذا فعلوا برطوبته الخانقة؟ كيف قدروا على ترويض الطبيعة وتجفيف منابعها؟ من أين لهم هذه الخلطة السرية التي طوعت المناخ والرؤيا والخيالات من أجل نزوة مسعورة كالتي يمارسونها معه الآن؟

تخلى عن دور القفل وزحف باتجاه وسط البيت. لا يدري لماذا فعلها رغم أن رجليه ما زالتا قادرتين على حمل ثقله الخفيف؟ تربع وكأنه يتهيأ لجلسة طعام شعبية. دفن رأسه بين فخذيه محاولاً التفكير في أي أمر آخر غير هذا الجنون الذي يتلبسه مثل كابوس مرير، ويستعر أكثر كلما قاوم وأعلن التحدي بعدم الإنصياع. اللعنة .. لقد محوا ذاكراته. كيف أفلتوا بهذه الفعلة الجبانة؟ وكيف قدروا على اختراقه بهذه السهولة؟ أين كان عندما غسلوا دماغه ومتى غافلوه؟ حاصرته الأسئلة وراوغته الأجوبة. لم يعد قادراً على استرجاع وهج الأمكنة الجميلة أو اللجوء لظلال شخوص أحبته الكثر. في لحظة قنوط ضرب رأسه في الأرض. راقت له الفكرة التي راودته وهو يفعلها. ليضرب رأسه في الأرضية الخشبية لعل الجاثوم العالق في خيالاته يفر حالما يرعبه منظر الدم وهو يسيل في أرجاء البيت حتى صبغه بالحمرة.

وقع مغشياً. تداركوا الموقف في الحال وهبوا ليقضوا على ما تبقى متوارياً عن متناولهم من صور وذكريات لأحداث طفولته الشقية، ومشاغبات أصدقائه الأعزاء، أحبته الذين يحتلون ركناً عتياً في ذاكرته. أستغلوا لحظة الضعف وأستبدلوا كل شيء. الآن فقط نفذوا الشق الأول من مهمتهم بنجاح ليصبح مجرد جسد بدون ذاكرته التي أصبحت تحت إمرتهم. أخرجوه عنوة من الأخشاب التي لم تعد بيته.

شعور كريه أن تحيا وسط الخريف. تضيع في دوامته وتصبح جزءاً من الهلاك الذي يحتويك. يستلب من أعماقك البكر الشعور بالفرح والقدرة على التغلغل في أحزان الآخرين الذين تود الإنصهار في خلاياهم لتصبح مشهداً من تفاصيل حياتهم اليومية بحلوها ومرها. للمرة الأولى يفقد القدرة على تحديد ما يبتغونه من هدف في لعبتهم المجنونة معه بعد أن قيدوه في الكرسي المعدني الوحيد وسط الحديقة العامة في مواجهة منزله الذي كساه الاصفرار وبدا مثل تابوت يستعد لاستقبال جثة.

هل يكون الجثة؟

أرعبته الفكرة. أن يكون جسداً محنطاً لا يقوى على الحراك وتفوح من مسامه كل أنواع الروائح النفاذة للمحاليل الكيميائية، والذاكرة منزوعة لأبد الأبدين. استسلم صاغراً للمشهد الحزين، الفانتازي بعد أن أصبح محركه الأساسي، وعنصره الفاعل. لم يكن القيد مشدوداً بما فيه الكفاية حتى يبقيه مشلول الجسد. كان واضحاً بأنه شرك آخر يفضي إلى وقيعة أكثر إحكاماً للذاكرة وأشد إيلاماً للنفس. كان ينبغي أن يعترف بأنهم اجتهدوا في رسم مشهد منطقي لوقيعته رغم أخطائهم الصارخة، فقد كان المشهد الذي يمور في الخلفية آخاذاً في تحريك كل العناصر المتنافرة دون خلط أو خطأ شنيع بدءاً من انتقاء الملابس وتناسقها وحتى تجميع الثنائيات البشرية كما في حالات العشاق أو الزوجين، الأطفال الذين يلعبون وأصدقائهم. حتى الحيوانات الأليفة أدت دورها القصير بإتقان وبلغت بها الوداعة بأن تجرأت وحاولت الاقتراب من الحاجز الشفاف، اللزج الذي يفصله عنهم لتبرهن على ألفتها لولا يقظة الحارس الأبرص الذي كان في أقصى حالات تأهبه تحسباً لفلتاتهم البهيمية.

تخلص من القيد. يعرف بأنه نفذ لهم ما ابتغوه في خطوة أولية ستتبعها تنازلات مريرة. نظف  على عجل معصمه من بقايا اللزوجة بمسحه على بنطاله المتسخ بالغبار والدم. شبك يديه على مؤخرة رأسه حتى كاد يلامس الحاجز الشفاف ومدد ساقيه للأمام في حركة تمثيلية اقتبسها من الممثل الأمريكي  الذي يعشقه (جوني ديب) في مشهد فاتر من فيلمه (نافذة سرية) على ما يتذكر. باغتهم بإطلاق زفرة عميقة أخرجت كل الأوهام من صدره المليء بالأحزان والمخاوف. زفرة أخرجتهم من حساباته.

صرخ مثل مجنون طليق فهرب خريفهم البائس دون رجعة ليرجع للحديقة رونقها رغم صيفها اللاهب. ها قد عادت الأمكنة التي اجتثوها ظلماً الى أوضاعها التي افتقدتها، وانتشر البشر في الحديقة منتشين برجوعهم المظفر رغم أن أغلبهم لم يدرك بأنه غادر الذاكرة واعتقل لوقت غير معلوم في دهاليز ظلمة مقيتة. كانت العصافير والبلابل أكثر الفرحين بالعودة، وظلت تصدح في غير أوقاتها دون توقف مما جلب تعجب الجميع من رواد الحديقة بمن فيهم حارسها العجوز الذي عاشرها دهراً.

كان هناك أطفالُ كثيرون يلعبون في محيط كرسيه المعدني مخترقين الحاجز الوهمي، وحيوانات أليفة مثل الكلاب والقطط تتحرش بقدميه عندما تشتم حذاءه تشتمه دون أن تهاب بقع الدم الذي نسي تنظيفها أو تنفر من الوساخة التي خلفتها المطاردة المضنية. تلقى تحايا عدة من أناس يعرفرهم وغيرهم ممن تهيأ له مشاهدتهم في رحلة السراب والغدر. لكنه ما زال وحيداً وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع الجميع، نساءً ورجالاً، شباباً وشيوخاً، أطفالاً ومراهقين، فقراء وأغنياء، مواطنين وغرباء. عندها أدرك بأن اللعبة لم تنته بعد وبأن الدور القادم سيكون حاسماً بالتأكيد.

وهو ينتظر أن يتجاسر أحد ما بالجلوس معه دون أن يكون هو المبادر بالدعوة تذكر بيته الذي حجبته عن رؤيته كاملاً عدة مبانٍ مختلفة الأدوار. نظر إليه دون أن يقف  ولم يستطع أن يتبين غير مدخنته التي أشرأبت حتى أعتلت صدر السماء بشكل لافت وشامخ. شيء مهم أن يسترد البيت بياضه لكن المقلق تخيل ما يمكن أن يحصل لهويته التي تلاعبت بها أيدي المخربين الذين يودون النيل منه بأي طريقة كانت، لا تخلو من العنف، والقسوة، والدناءة.

ماذا حصل حتى تقذف مدفأته الحالمة أدخنة سوداء وهي التي بعثت على الدوام الدفء في أيامه القارسة؟ ماذا تبقى أصلاً في الداخل حتى يحرقونه غير خشب شديد الولاء لصاحبه المنفي وحيداً في مسرح مفتوح هي الحديقة؟ مازال البيت مرهوناً للوشاية لذلك هناك من يعبث بما تبقى من طمأنينته ويلهو بكل استخفاف لا يصح  ببقايا آماله التي قاربت على النضوب عقب الهجمة الأخيرة .. المباغتة.  ما بال هذا الدخان خبيث إلى الحد الذي يهزم الريح التي هبت في شيمة مضادة بغية طرده حتى لا ينتهك شرفة البياض التي بقت لتظلل نقائهم البكر. طردها بعيداً بعد أن شرد فلوها إلى شتاء بعيد وظل يزحف بعناد وشبق إلى سماء الحديقة التي هرب روادها الحقيقيون وتركوها لأؤلئك الممثلين الذين يمقتهم.

لم ينهزموا ..

وهذه اللحظة التي يتلذذون فيها بانتصارهم عليه ما هي إلا تتويج مبكر لسفالات مدونة في قراطيسهم الصفراء بأنه سيقع إن عاجلاً أم آجلاً، وسيرتشفون عناده مثل نخب غالي الثمن يروون فيه ظمأ انتصارات موعودون بها منذ زمن غابر لم يكتب في ذاكرتهم قط لضحالتها. استسلامه لم تعد له قيمة تذكر، ومكابرته بالمقاومة لن تغير من قناعاتهم بأنه قزم وسيظل مهما حرض من حوله كائنات كانت أم أمكنة. أنه منته. أصبح في عداد الموتى الذين يستخدمونهم فيما بعد تماثيل متحركة. سيغدو مجرد ممثل فاشل تضحك عليه الضحية التي يقع عليها القرعة للدور المقبل.

ليست هذه المرة الأولى التي يحاولون فيها دك حصونه العتيدة، لكنها بالتأكيد ستكون الأخيرة في حالته التي كساها الدخان الأسود وغدت مثل ليل حالك الظلمة. إنهم الآن يفعلونها بطريقة مختلفة عرفاناً منهم لمقاومته الشديدة وذكائه المتوقد الذي عراهم في محطات كثيرة وسبب لهم عظيم الإحراج.

ما زال وحده ينتظر المفاجأة التي ستنشق من وسط خيوط السواد المهيمن على جو الحديقة العامة. تفتق الظلام شيئاً فشيئاً حتى ظهرت تلك الفتاة السمراء التي يعرفها. حسنها الصارخ طالما بعثر أوراقه المرتبة بعناية ومنطقية وجعله مثل طفل بدأ التهجي للتو. لماذا أختاروها؟ وكيف ألبسوها ملابس صارخة كانت سترفض لبسها لو كانت في كامل حسها، هذه المنطوية على أحلامها، الباشقة باشتعال عواطفها لحبيب غير معلوم لمريديها وخطاب ودها الكثر؟ كانت كلما أقتربت هذه الحالمة أكثر وأنورت مفاتنها توترت أعضاؤه بنشوة غامرة. بزهو تقترب وبكبرياء تلقي بكامل أنوثتها جسداً ملتهباً بالقرب منه ولا يفصل بينهما إلا ذرات لا تعد من الهواء. صدرها المفتوح على مصراعيه الذي لا تسنده حمالة يتكئ خبثاً على قطعة حريرية بالكاد تتشبث في الحلمة الظاهر منها تحبب مثير، وكأنها تنتظر منه لمسة خاطئة حتى ينفرط عقد النهدين لينقذفا رمانتين بين راحتيه المرتعشين لتتلقفهما أصابعه العطشى.

هذه الغواية باهظة الثمن، وستكلفه حياته التي غامر من أجل استعادتها، لذلك لم يتحرك أكتفى بتأملها دون أن ينطق. ظل يتفحص ثنايا جسدها النابض بالأنوثة والشهوة العارمة وهو يدعوه لوليمة لذتها خالدة، بدءاً من النهدين الثائرين، نزولاً للخصر الذي أنثنى بإعجوبة حول ظهره محاصراً شهوته الآخذة بالتوقد، وانتهاءً بالسمرة الملساء التي كشفها شق الرداء الأحمر بعد أن ركّبت الساقين الممتلئين بعضهما فوق بعض وأفترشتا خيالاته البيضاء صفحة جديدة للهوى الضائع. بلع ريقه وأشاح وجهه في عدة إتجاهات هرباً من الخطيئة التي زينتها له، لكن السمراء كانت ماهرة في جره نحو نقطة الغواية بإنفاسها الساخنة.

وضعت ذراعها على ظهر الكرسي المعدني، على ظهره وظلت تتأمل المدخنة وكأنها تعيبها على استمرارها في إطلاق الدخان الأسود وسط جو مشحون بالأحاسيس الثائرة. انصاعت المدخنة لرغباتها المجنونة وتراجع الدخان .. كل الدخان لتحتويه سيجارة (مالبورو) ثم تعيده منفوخاً في شكل دخان أبيض في وجهه المحبط/المجهد، دون أن تخفي لهفة الوله في نبرة صوتها المشحون بالإغواء الفاشي. تخدر رغماً عنه. سمعها تهمس في أذنه بتغنج لا يقدر على صده:

ماذا تنتظر؟ لا يمكنني أن أغويك الدهر كله؟

وقبل أن ينطق اطبقت بشفتيها الغليظتين على شفتيه الخائفتين. بعد هذه النقطة ضاع كل شيء فقد بدأت السمراء في التهامه بشهوانية حتى أختفى ولم يعد له وجود. إنها النهاية التي باغتت الرقيب الذي فقد إنتصاراً خطط له مهيباً، والضحية التي بدأت تبحث عن من مخرج أو مأوى .. أيهما يكشف الغمة الطارئة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *