قصة: المرآة.

تأملت سميرة وجهها الدائري ملياً في المرآة ..

لم تتقصد هذه الفرجة بل قادتها الصدفة المباغتة إلى هذا التأمل الفجائي قبل أن تباشر أولى مهماتها الصباحية وتبدأ بترتيب غرفة ابنتها الوحيدة. بدأت اللعبة بتمشيط شعرها الأشقر الذي حن لأسنان المشط تداعب خصلاته الحريرية. استغربت كيف أنها تستكشف وجهها لأول مرة كما لو أنها أنثى صغيرة على أعتاب المراهقة .

كم هي جميلة ملامحها .. ما أنعم بشرتها وكأنها تكتسي بطبقة ذهبية من العسل الطبيعي. ما أروع سواد عينيها وكم هو فاتن رمشها دون منازع. استدارتها القاتلة واتساعها الساحر  حرضاها على أن ترسم حدودها الأخاذة بقلم الكحل، خيط رفيع يعيد المجد التليد للفتنة. امتدت يدها إلى علبة المكياج وفتحتها بخوف وهي تتفحص الألوان التي طالما مجدتها في عز أنوثتها. أغراها اللون البنفسجي الهادىء أن تظلل جفنيها دون تردد. وهي تعيد الفرشاة إلى علبتها بهرها اكتناز شفتيها. تحسستهما بلسانها العطشان لمن يرطبهما بشهوته، ثم داعبتهما بأن مررت عليهما لعاباً خفيفاً في محاولة مراوغة للفتك بجفافهما. راح ذاك الذي كان يعصرهما بشفتيه. انهما الآن عاريان يستنجدان ستر الألوان .

كثيرة هي أقلام أحمر الشفاه ..

أمامها عشرات الأصابع الملونة. اختارت اللون الماروني الصارخ. أخرجته من صومعته ومررته بشهوة ندية على مخدات الشفاه. أحست بلذة غريبة كتلك التي كان يشعلها في أعماقها زوجها الغائب. تمنت لو أن الزمان يجود لها بفارس جديد ينتشلها من وحل الترمل. تخيلته يهبط على حياتها قبلة شوق ساحرة دون أن تقاوم لهفة شفتيه. كانت مغمضة العينين وهي تكسو شفتيها الظمآنتين بالألوان الزاهية. فتحتهما مجدداً لتجد أن هاتين اللحمتين المشتعلتين ينقصهما شيء مهم كي تقدرا على إستدراج فارس لم يهزمه تعب المسافات المستحيلة ولا الخطر. فتحت أحد الأدراج وتناولت قلماً رفيعاً بدرجة لونية أعلىحددت به مملكة الشفاه.

وضعت كل شيء علق بيدها مكانه ثم تأملت وجهها مجدداً. لم تصدق صورتها المجملة في المرآة، وتساءلت كيف أضاعت فتنتها في غفلة؟ رجعت تتفحص وجهها في محاولة عجلى لاستدراك ما قد فاتها من جمال. ضايقها شعرها الغجري، ذلك الثائر على تخوم وجهها دون حسيب أو رقيب. قاومته بغنج ثم دللته بمسحة ناعمة من أطراف المشط الرفيع، ولما فشلت اعتقلته في ظفيرة متمردة. ضحكت من هيئتها التي أعادتها إلى مرحلة الدراسة، تلك المراهقة، المشاغبة بمدرسة المحرق الثانوية. في هذه اللحظة المتحررة أحست بروحها أبعد ما تكون عن حقيقتها المرة، تلك المرأة العانس، المرتعبة من زحف الأربعين المقيت على أيامها المخضبة بالقحط. حالما تذكرت واقعها المر أطلقت على عجل سراح شعرها الأشقر بعد أن غدرت بالظفيرة ثم قيدته كيفما أتفق بريشة فاقعة تخص ابنتها المقبلة على الزواج.

هناك شيء ناقص ..

هكذا استنتجت سميرة. تناولت فجأة علبة البودرة المذهبة التي ضجت بالموسيقى حالما فتحتها. روت جدب خديها الممتلئين بعدة ضربات خفيفة من القطعة الإسفنجية الصلبةبينما كتمت خياشيمها رائحة البودرة العطرة ماركة ” كريستيان ديور “. كادت أن تختنق. استهجنت طغيان اللون الوردي لكنها سرعان ما كبحت لجامه فخففته بمسحات ناعمة من كريم الأساس. مرة أخرى تأملت وجهها من عدة زوايا حتى تأكد لها أنه لا يزال نضراً وأن التجاعيد قد ضلت الطريق إلى دربه.

أقنعتها الصورة في المرآة بأنها ما تزال شابة، ونضرة إذا ما نظفت وجهها وأزالت من مسامه غبار الزمن وأبعدت عن تضاريسه تعب الذكريات. أقتنعت سميرة بأنها لا تزال امرأة جميلة، وأنثى ساحرة وأنه من الطبيعي لو ظهر حسنها للعلن أن يتجندل حولها معجبون من الجنس الآخر يكتمون لوعة الحب في أفئدتهم بانتظار إشارة الرضا والهيام. تمنت لو يشاهدها أحدهم وهي على هذه الهيئة. تمنت ذلك بإلحاح حتى تخرجهم وإياها من حالة الجمود إلى مرحلة البوح والمجاهرة بالإعجاب.

وهي تبحر في وهم أحلامها استيقظت على صورة ابنتها في المرآة تقف خلفها باندهاش. نظرتها الفزعة تحمل مزيجاً من الاستغراب والاستهجان، تستنكر أحلام أمهاالبريئة. أشعرتها بالإهانة نظراتها التهكمية كما لو أنها تنظر إلى مهرج مبتدئ لم يتقن بعد وضع مساحيق الألوان على وجهه. وكأنها كتمت ضحكة فاجرة.

تناولت سميرة دون وعي كمية كبيرة من المناديل الورقية وقامت على عجل تمسح الألوان عن وجهها في حركة خجلى. ساعدها على إتمام هذه المهمة في وقت أقل الدموع القليلة التي سقطت خلسة على الخدود الندية. نظرت سميرة إلى وجهها في المرآة للمرة الأخيرة دون أن تنطق. لكن المرآة أنصفتها قائلة دون وجل من تلك الجاحدة التي تخصرت بانتظار نهاية الملهاة:

لا تخجلي من نفسك. أنت أجمل بكثير من نطفتك الأنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *