قصة: بقية الحكاية.

كانوا يروون عنه الحكايات الكثيرة. حكايات غريبة مثيرة للعجب تسلب العقول وتلهب الفضول. وقد استمعت لكل ما قيل بإمعان واستنتجت من كل تلك الحكايات المبهرة/الآسرة بأن للغائب طينًا يعجز عن صولاته أعتى الأبطال. كانوا يقولون – بشهادتك يا جدي – إن خلاياه تعشق الوجع وإنه رجل الألم والأمل، وعنوان صارخ للتحدي الجبار. كانوا يسردون عنه ما قل ودل وكنت أمطط في ذاكرتي اليافعة هذا الإيجاز إلى سيناريو بديع وأسرف في تصديق إعجازه وبهرجته بفخر لا حدود له. كنت أحلم به بلهفة المجانين في الظفر بالرجاحة، وتهور العشاق لتذوق الجمال الباهر/المكنون. أنقش وجهه الوسيم في قلبي بملامح نبيلة لا تكشفها صوره الفوتوغرافية. والآن وقد أصبح الحنين ضجرًا لا بد للمارد النائم في مخيلتي أن يستفيق ويفض هذا السبات الطويل.

أنت يا جدّي أفضل الحلول المتوفرة في دربي الشائك وأيسرها، فترفق بفضولي وأنصت لي دون اللجوء إلى مقاطعاتك المشهورة عن شهامة زمانكم الغابر. ليس أمامي من خيار غيرك أثق في نجاحه. أنا كما عهدتني دائمًا لا أطيق التعلق بالآمال الواهية. أمقت خيوط العنكبوت الواهنة، واربص للوساوس والأوهام إن هي فكّرت في الاقتراب مني. أنت يا جدّي تمتلك جوهر القضية وفي صدرك يرقد مفتاح الولوج إلى رحمها فلماذا أشهد فيك هذا التردد الفاضح؟ دعنا نفك الطلاسم ونكشف الرموز الخفية للعلن علنا نقدر على هتك السر المخبوء من الحكاية القديمة/المتجددة دون انتظار لمشورة العقل المعطوب. الوقت حرج جدًا ويمر أسرع مما كنا نظن، وأنت – وأرجو ألَّا تؤاخذني على هذا القول الأرعن – تتهادى نحو حتفك الوشيك.

لن أصدق كلام أخوالي وخالاتي عن عطب مخيلتك فهي غنية بالذكريات والمواقف. أنت لا تؤلف الحكايات التي تتصل بلحمك، ولا تفتعل الخرافات عن أعز أحبابك، أليس كذلك يا جدي الحبيب؟ صحيح أنك عجوز بجسدك الذابل. شيخ ببصرك المقبل على الخفوت. لكنك في نظري شاب بمخيلتك النضرة التي تعبق بذكريات ولدك الغائب.

لمعان عينيك يعكس الصدق ولا شيء غيره. هذا ما أستشفه من رواياتك الشيقة/الملهمة عنه. سمعتك مرارًا وتكرارًا تتحدث عنه بحماسة فرسان المعركة الزاحفين نحو نصرهم المؤزر لذلك لا أجرؤ على تكذيبك مثل غيري. أعترف – عن حسن نية – بأنني كنت أجد صعوبة بالغة في تصديق بعضٍ من حكاياتك الآسرة/الشجية عن رحلات الغوص ومغامرات شبابك الغرامية مع فتيات الأحياء المجاورة والتي كنت تتفنن في سردها علينا. بل أجزم أنك كنت تبالغ في تمطيط الأحداث وتعقيدها حتى تحظى بالإعجاب في أروقة القلوب. كنت أجد هذا الأمر طبيعياً لأبعد الحدود فهي حكاياتك الأثيرة كما أنك بطلها المطلق. من حقك حبكها كيفما شئت وبالطريقة التي تضمن الإعجاب المضاعف، التشويق التام والانجذاب الكامل لشخصيتك المحببة أصلًا. لكن الأمر يختلف مع حكاية الغائب حيث تختفي نبرة الافتعال من صوتك ليحل الصدق ولا شيء غيره. حتى أنني كنت أميل إلى تصديق ظني بأن تلك الأحداث الدراماتيكية/الدامية لا تمت للماضي بصلة، وأنها وقعت بالأمس القريب فقط! لا يمكن لهذا الهلع الذي يتسلق سحنتك، والريبة التي تسكن انفعالاتك أن تكون ربيبة الماضي؟ أرجو يا جدي العزيز أن تترفق بحالي المزرية وأن تعينني على تقصي الحقيقة. أتمنى ألَّا تكون قد أفرغت كل ما في جعبتك من ذكريات خصبة هربًا من وباء الشيخوخة. أرجو أن تكون الذاكرة لا تزال محتفظة بحفنة من السير المفيدة/المعينة على التوصل للحقيقة. هي أملي الوحيد، والناجية من مجزرة النسيان. هي القشة التي سوف تعينني على النجاح/النجاة.

تكلم يا جدي عن الغائب دون أن تضع اعتبارًا رصينًا للوقت. اِحكِ لي عن معاناتكم مع الأشباح وحلفائهم من الرعاع والانتهازيين. سوف أنصت لك وحدي. لا تخشَ أحدًا فلن تسمعنا أذن متلصصة. أعدك بأننا سنصبح في عزلة تامة عن هذا العالم المجنون الذي بت على غير وفاق معه. سيمنحنا البوح الموعود فسحة جديدة /جليلة تفرغنا لتحليل الأحداث الماضية. سوف نسترجعها سويًا دون وجل وأعدك بأنني لن أتوقف طويلًا عند محطة الأخطاء إن وجدت. سوف نتخطى وحلها كما لو كانت سرابًا. إنه سراب بالفعل. أعدك يا جدي بتجاوز هذا الصعب وغلبته عند المنعطف الأول/الفرصة السانحة.

يجب أن تثق بصدق وعودي حتى نصل لنهاية الطريق ونحن منتصرون بمشيئة الله. لا ضير من المحاولة. أعي جيدًا صعوبة البدايات. كلنا نخاف الخطوة الأولى ونحسب لها ملايين الاحتمالات. نخشى تقلباتها ونفزع من سطوة نيرانها الكاوية. لن يعلمك فتى مراهق من هذا الجيل الجامح أبجدية تافهة قد تخطيتها أنت بمنتهى السهولة في زمن أصعب من هذا الزمان بكثير. لست في حاجة لأن أذكرك بأن القلق الذي يلفك الآن غريزة طبيعية في نفس الإنسان المكوي بنار الخوف. أنت تعرف هذه الأبجدية جيدًا ولا تحتاج لمن يلقنك هذا الدرس التافه بعد أكثر من تسعين عامًا من الخفقان الحافل.

هيا أيها العجوز أطلق عنان ثرثرتك فأنا كلي آذان صاغية منصت للمجهول القادم بقدر الراحل من العمر المتآكل. تكلم يا جدي حتى نثبت للجميع – وأولهم الأشباح وتوابعهم من الأنذال والسفلة – بأن هناك جزءًا قذرًا من ذاكرة هذا العالم القبيح قد لوث حياتنا البريئة وقد حانت لحظة هتك عذريته. جزءًا يستحق منا أجمعين كل الاحتقار الدفين في الأفئدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *