أجد نفسي في اللون الكلاسيكي وأحن للحداثي.

كان يحلم  بليلة دافئة وحوله معاول وجدار قلبه قشرة بيض، وبطيبته تخطى كل كائنات المستنقع، فرد جميل تلك الساحلية التي أخذته بين جنانها، وحروفه وليمة للنوارس اللطيفة، راسما حديقة أحلامه، متجاوزا الأوهام المادية، يكتب مستلهما من الليل رائحة السكون.

جمال الخياط  أديب بحريني من مواليد المحرق العام 1958م.، خريج جامعة الرياض (الملك سعود) ، تربية  علوم إحيائية العام 1982م. نال دبلوماً عالياً بامتياز من معهد البحرين للدراسات المالية والمصرفية العام 1998م. وهو عضو مؤسس بالملتقى الأهلي الثقافي.يشرف على موقع أسرة الأدباء والكتاب البحرين على شبكة الإنترنت. شارك بالمهرجان الثاني للقصة والشعر للشباب بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بالدوحة العام 1986م. وله مجموعة من الأعمال السردية.

( الفن للفن ) اختلف الناس كثيراً حول هذا المفهوم ونقيضه ( الفن للحياة )، لأوظف هاتين المقولتين في مجال السرد وعلاقة الرواية والقصة بالواقع الاجتماعي، أي التعبيرين تفضل؟ وهل هناك تحفظات على أي منهما؟ خصوصا وأنك لا تكتب بنمط معين إذ إنك أحيانا تكتب القصة المحاكية للعامة بما بها من أحداث وأسلوب يتماشى مع الواقع المعيش، وأحيانا تكتب بلغة تكاد تكون شعرية دون عقدة أو خاتمة ولا علاقة لها بالواقع؟

سؤال صعب؟ التفضيل يأتي بحسب المرحلة التي أمر بها على الصعيد النفسي والإجتماعي. إشكالية الكتابة في الوقت الراهن تكمن في الانتماء الفني عندما يكون لزاماً على المبدع أن يعلن ولاءه المطلق للمذهب الذي يعتقد جدواه في توصيل أفكاره في الحياة، وهي إشكالية معقدة تسبب للمبدع والمتلقي نوعاً من التشويش على ما يكتب وبالكيفية التي تمت؟ كيف يتجه ومن يتبعه؟ وإذا تجاوزنا سلفاً مسألة صراع الأجيال فإن معضلة الأنا تهيمن على الصراع الدائر بين الكثيرين حول صحة المصطلحين؟ بالنسبة لي شخصياً وبعد مرحلة طويلة ومهمة من الصراع الداخلي أرى أن الفن يحتمل أن يتشكل بالنقيضين فكلاهما يصلحان لفترة معينة أو فكرة بعينها والتفاوت يأتي بحسب نظرة المبدع في أي المصطلحين الأقدر على توصيل رسالته للمتلقي. (الفن للفن) يشوبه الكثير من التحفظات في تناوله للأفكار وتعرضه للمعتقدات ونظرته المستقبلية للحياة، أما (الفن للحياة) فلا يشفع له القرب من الواقع عندما يضيق به الأفق ولايتواصل مع الرغبة في التغيير أو الخروج عن النمطي والسائد، أليست مسألة شائكة؟ ربما. ولكنني لا أفضل مصطلحا بشكل مطلق ففي مرحلة مبكرة بدأت التجريب وخضت غمار الفن للفن ثم تحولت عنه إلى الفن للحياة؟ وبحسب المرحلة والتجربة المعيشة كنت أتنقل، محتفظاً بتحفظاتي على تغافل المدرسة الفنية عن الإنسان كمركز للكتابة كما وصمت في كثير من الأحيان بالسطحية التي كانت سمة للأدب الذي يعنى بالحياة.

يلاحظ في روايات كبار الروائيين العرب أمثال نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وبعض الروائيين الجدد بمختلف توجهاتهم الأيديولوجية والفكرية أنّهم يتبنون الأدب الحيوي بكامل خصائصه، فهم يكتبون من واقع القرية والريف والبيوت الفقيرة، على شاكلة أكثر روايات ”تشارلز ديكنز” في الأدب الإنجليزي، بينما نرى في الجانب الآخر بعض الروائيين في العصر الحديث ممن تأثروا بتيارات الحداثة يقومون بالكتابة الرمزية الغارقة في الغموض  – كما يقال – مبتعدين عن الواقع نوعاً ما، كيف تجد كلا من الكتابة الواقعية والكتابة الرمزية ؟

الأدب هو الجزء الحيوي من الحياة لذلك فهو يتطور كنتيجة حتمية لتطور الحياة مما يؤدي لتعقدها في منعطفات عدة مخلفاً تجاذبا بين أفراد التيار الكلاسيكي الذي يؤمن بأن الأدب يجب أن يحافظ على سماته التقليدية والتيار الحداثي الذي يرى أن الإبداع شأنه شأن أي مادة في الحياة قابلة لإعادة التشكيل. بين أصالة الواقعية وحتمية التجديد يكمن المشكل. ليست كل كتابة واقعية مقدسة كما وأنه ليست كل تجربة مغايرة مخربة؟ لا يمكن أن نوصم الواقعية بالرجعية والتخلف لنرجمها ثم نعلي من شأن الجديد باعتباره ثورة على السائد من القيم والمفاهيم؟ هذا فهم خاطئ كلياً وللأسف هناك من يروج له في كلا المعسكرين وكأن المنتمي لأحدهما يجب أن يستعد لحرب ضد المعسكر الآخر؟ أعتقد أنه يجب أن نبتعد قدر المستطاع عن القياس لأننا شئنا أم أبينا سيظل القديم متأصلاً في وجداننا بمفاهيمه وسيأخذ الجديد سواء الرمز أو غيره مكانه الذي سيظل تحت المحك حتى يثبت أحقيته.

  أنا أؤمن بأنه ما من مشكلة في أن يجرب الأديب كل شيء دون أن يوصم بالتخريب أو التراجع أو غيره من الصفات المعدة سلفاً وتحكمها الأيدلوجيا؟ في فترة من الفترات اتجهت للرمز واكتشفت بأن الكتابة الرمزية ممتعة على أكثر من صعيد فهي كتابة فيها من التحدي والتجديد الكثير، فيها روح المغامرة وتجعلني منتشيا لحظة الكتابة، مزيلة كل الحدود وتفتح آفاقاً لانهائية على مستوى الفكرة والطرح، وأذكر هنا رواية (الساحلية)، (كائنات المستنقع) و نص (حديقة الأحلام). كما كتبت كثيراً في الواقعية واستمتعت أيضاً خاصة بالجانب الذي يتصل بالإنسان وإلتصاقه بالمكان. لكنني بالأساس مسكون بهاجس الكتابة المغايرة حيث أخرج بخليط بين هذا وذلك عندما يمتزج الواقعي بالرمز. هي بالطبع تحتاج لخبرة حياتية وتجارب أدبية ليست بالهينة ولكنني أجرب ولذلك لست مهتماً كثيراً بالنقد الموجه لتجربتي في هذا الاتجاه، كتابة الرمز تحتاج للتكثيف عبر لغة شعرية متدفقة وهنا تتبين مقدرة الكاتب على تشكيل عمله وفق أطر معينة تمنعه من الإنزلاق في مطب التغريب الذي قد تسببه سيطرة فكرة الخروج عن السائد لحظة الكتابة.

بدأت بالكتابة الواقعية ثم اتجهت للرمزية وحكمت علاقة التأرجح بين الكتابتين مسألة المتلقي الذي هو الطرف الحاضر الغائب في العملية الإبداعية وهو أيضاً محور الخلاف. كنت مهموماً بالكتابة المغايرة حيث يختلط الواقعي بالرمز والخرافة بالسحر وحيث القيود بين كل تلك العوالم هلامية. هل وفقت؟ لا أدري فمحاولة الخلط تلك لابد وأنها ستسفر عن شيء ما في نصوص قادمة. وهذا ما أراهن عليه مع نفسي. يلاحظ أن الروائيين قلة بالنسبة للشعراء الذين يملأون الساحة البحرينية، بم تفسر ذلك؟

أعتقد أنها حالة عامة على الأقل في المجتمع الخليجي حيث الاستهلاك هو سيد الموقف في مقابل انحسار الثقافة على مستوى القراءة والكتابة، والكتابة الروائية تحتاج إلى وقت لكتابتها ومراجعتها ومن ثم نشرها بعد ذلك. والنتيجة لا قارئ يتفاعل معها ولا ناقد يقرر التصدي لها، مجرد التفكير بهذا السيناريو يسبب الإحباط، وهو على الأرجح ما يفكر فيه أغلب الكتاب بالإضافة إلى التكلفة المادية للطباعة.الشعر يمثل حالة مغرية للكتابة الإبداعية لذلك هو إغواء للكثير ممن يهوى الدخول في مغامرة الكتابة؟ ثم أنه لا يحتاج لكم الخبرة الحياتية التي تتطلبها الكتابة الروائية. ولا ننسى أننا أمة تعشق الشعر ويسكن وجدانها. في المقابل أعرف عدداً لابأس به من الشعراء اتجهوا لكتابة الرواية وعددا غير قليل إما يفكر في كتابتها أو بدأها بالفعل.

تطورت الرواية تطورا ملحوظا في الوقت الحالي ،ما هي معالم هذا التطور من وجهة نظرك، وما مدى ارتباط الرواية الحديثة بالواقع الاجتماعي، هل مازالت هي المسئولة عن التغيير في المجتمع؟

الرواية الحديثة تطورت على مستويات عدة ولافتة كالموضوع و التقنية التي لم تعد تقليدية. قد تكون الرواية مسؤولة في الماضي عن تغيير المجتمع والدعوة إلى التحرر وغيرها من المسؤوليات الأخلاقية لكنها باتت الآن ترصد حركته بدلاً من تغييره، أصبحت أقرب إلى الملاحظ الذي يشخص الحالة ليضعها تحت المجهر بغية تشريحها، كاشفاً أنصاف الحلول لعلها تأتي بالتغيير. الكاتب ليس مسؤولاً حزبياً أو منظراً سياسياً حتى يجير الرواية من أجل فكر ما. لقد ولى زمن الأيدلوجيا ولم يعد له مكان في الأدب بعد أن قمع ساسة العالم الثالث كتابها ومبدعيها في زنازين الظلام. أعتقد أنه فيما يخص الأديب فإن تركيزه على إبراز الهم له الفعل الأكبر في التغيير .. أقصد الفعل غير المباشر.والرواية مرشحة أكثر من أي جنس أدبي آخر للتطور خاصة إذا ارتبطت بأمور تقنية حديثة مثل تحويلها لعمل سينمائي كما هو حاصل في الغرب أو تحويلها لوسيط تفاعلي إلكتروني. في الشرق لا زال التركيز على تحويل الرواية إلى تحفة عبر التركيز على تقنية اللغة .

يلمس من نتاج بعض الروائيين العرب، التقليد للغرب في الأساليب ونوعية المونولوج الداخلي للرواية، حتى ليُلْمس فيها نوعية من الميكانيكية -إن صح التعبير- بينما يبتعد عن الأساليب المناسبة للوضع الأنثروبولوجي الخاص بالأمة العربية بما تحمل من موروثات ثقافية خاصة وعادات وتقاليد، ما هو انطباعك حول هذا الموضوع؟ هل هو اجتهاد في الأساليب بالاستفادة من الآداب الغربية أم هو تقليد أعمى؟ أم ماذا؟

أي أدب لا يحمل سمات وخصوصيات المجتمع الذي ينتمي له الكاتب يظل متغرباً وتبقى مسألة التبعية للموروث الثقافي أمراً آخر أرى أنه لا يتعارض مع هوية الكتابة للمجتمع الذي نشأ وترعرع فيه المبدع. لا ضير في أن يكون الأسلوب متجدداً، المهم أن يبقى في الأطر التي تؤسس لتعزيز الثقافة العربية. كلنا نجتهد في تطوير أدواتنا، لكن المحاولات يجب أن تتم بوعي ،إننا ننتمي لبيئة وثقافة مغايرة عن الذي تأثرنا به. ويظل التجريب هاجساً يجب أن يؤرق الكاتب حتى يجدد في مضمون أفكاره والشكل الذي تقدم به دون التخلي عن مسألة مهمة وهي أن المبدع يكتب عن الإنسان وللإنسان. الخوف .. كل الخوف من التجريب الغير مدروس عبر المغامرة بالخروج بأسلوب مغاير من أجل المغايرة .. الشكل فقط؟

قرأت مرة في أحد اللقاءات مع أحد الروائيين سؤالا شدني وأحببت أن أطرحه عليك وهو أن هناك رأياً عند بعض النقاد يقول إن القصة القصيرة قد استنفدت جميع أغراضها وحان وقت رحيلها عن الساحة الأدبية، حتى أن بعضهم أطلق عليها مصطلح ( حمار المبدعين ) كما هو الحال في بحر الرجز الذي اعتبره الأوائل ( حمار الشعر ) لسهولة البحر وقابليته الكبيرة للتطويع لصالح الشاعر، ما رأيكم في ذلك؟

لايمكن للقصة القصيرة أن تنتهي بهذه البساطة التي تتصورينها، لايمكن لبريق القصة القصيرة أن ينطفئ، قد يخفت قليلاً كما هو حالها اليوم في واقع ثقافتنا العربية لكنها تظل المنبع الأول والأجمل لفن السرد فأغلب الروائيين البارزين انطلقوا من القصة وهي الفن الذي شكل لغتهم الروائية وبناءها الحواري. جربوا عبرها مختلف الأساليب وابتكروا في تجاربهم معها تقنيات أفادتهم كثيراً في كتابة الرواية. وحتى عندما ينصرفون للرواية بشكل كبير فإن حنينهم لكتابة القصة ينتابهم ويظل يؤرقهم حتى يرجعوا بمجموعة قصصية أشبه بالحلم، أعتقد أن للقصة القصيرة زمنا قادما ينتظرها خاصة إذا أخذنا في اعتبارنا الفن الذي يفتح شهية السارد، ثم الزمن بنزعته الاستهلاكية الذي سيفرض رتماً سريعاً تصبح فيه قراءة الرواية أقل شهوة مما كانت عليه.

من الملاحظ أن الحركة النقدية للرواية والقصة غير قائمة على أسس ومرتكزات ثابتة وموحدة، شأنها شأن العديد من الحركات النقدية الأخرى فهل يرجع السبب إلى تعدد المناهج النقدية؟ وما هو انطباعكم الخاص عن العلمية النقدية؟ وما الصورة المثلى في النقد لتناول أي نص روائي أو قصصي؟

إذا كنت تشيرين للبحرين كنموذج فللأسف لايوجد عندنا حركة نقدية بالمعنى الذي يشير إليه السؤال. (كان يا مكان) عندنا نقاد لكنهم اختفوا منذ فترة طويلة فمنهم من اعتزل ويكابر بالاسم ومنهم من احتجب وتبرأ والغالبية اكتفوا بالعمل الأكاديمي لكفايته المادية والمعنوية مقتاتاً على عدد قليل من الإصدارات ومنهم من يعيش على ذكريات مقالات وندوات لم يعد أحد يتذكرها؟ الوضع عندنا محزن لدرجة الشفقة فما تمور به الساحة الثقافية الآن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسمى نقداً. نكذب على أنفسنا لو وصفنا الانطباعات الصحفية والتي تتناثر بين فترة وأخرى نقداً. هذا حشو صحف من أجل النشر لقاء أجر مادي أو مجاملة لصديق يحسب على الشلة الفلانية. الشللية هي ما يحرك هذه الانطباعات، وكأنه لا يوجد في البحرين إلا روائي واحد يستحق الإشادة، وقاص واحد لايجاريه أحد، وشاعر واحد سابق لأوانه، ومسرحي واحد فلتة زمانه وعلى المنوال نفسه بقية الفنون. الغريب أن هؤلاء الصفوة يتناوبون الأدوار ليكتب القاص شعراً ويظهر الشاعر برواية، وهكذا. أما بقية الكتاب فليست لهم أهمية، ولايستحقون التفاتة من النقاد الذين يجب أن يعرفوا أن هذا التعتيم من شأنه أن يضر بالحركة الأدبية، المضحك المبكي أن من يسمون بالنقاد يترفعون عن الكتابة عن أعمال أدباء البحرين وتراهم يتسابقون للكتابة عن أقلام خليجية بإسهاب منقطع النظير .. بل وينبشون أرفف المكتبات الخليجية بحثاً عن هذه الأعمال بينما تظهر الإصدارات البحرينية الجديدة وتمر مرور الكرام حتى دون كتابة خبر الصدور والذي قد لا يكلف الصحافة أكثر من عشر دقائق.

لا توجد مناهج نقدية؟ أين هي؟ أتمنى أن ينهض نقادنا من كبوتهم  ويلتفتوا لساحتنا فالقليل الجاد الذي يكتب لا يكفي، وسيحاسبنا التاريخ بأن عندنا أكاديميين ومتخصصين في النقد أخذوا ألقابهم ثم تواروا بحثاً عن ود علاقة أو مهرجان أو مشاركة في الخارج…ألخ، والطريقة المثلى أن يتجرد هؤلاء من أنانيتهم قليلاً دون أن ينظروا للصداقة أو المذهب الفني ويكتبوا عن الأدب البحريني الذي لا يمكن أن ينهض دون أقلامهم المخلصة والصادقة. خاصة أن هناك جيلا شابا يظهر فليثبت نقادنا الأفاضل بأنني على خطأ.

يحبذ بعض كتاب القصة القصيرة أن يَخرجوا عن المألوف في كتاباتهم كالأسلوب السردي القديم والقصص القائمة على الحدث والعقدة والحل، والحيل التكنيكية الكلاسيكية، ولجأوا إلى اللاوعي أو الأساليب المرتجلة، ما السبيل القويم برأيكم في العملية الإبداعية إذا خرج القاص عن الأساليب المعتادة ولجأ إلى الأساليب الأخرى؟ وهل لهذه الأساليب جدوى في تقدم الرواية والقصة؟ أم أن ذلك من الأمور التي تدعو لها حركة الحداثة وما بعد الحداثة مع ما فيها من رمزية؟

كل الأساليب ممكنة في التجريب المهم أن تتم في إطار واع يعرف الوجهة، ولا أدري ماذا تقصدين بالأساليب المعتادة فالقصة الآن تمر بمرحلة مهمة من النضج ولم تعد التقليدية المقيدة بالعقدة والحل. بالطبع هذا التجريب مهم جداً لتقدم الرواية والقصة ودونه تراوح مكانها. الحداثة ليست حركة مخربة كما أفهم من سؤالك؟ على العكس أخرجت لنا الحداثة أدباء رائعين أثروا الحركة الأدبية بأعمال متميزة

من برأيك يتصدر الساحة الأدبية على مستوى الوطن العربي بشكل عام في الرواية والقصة القصيرة؟

لست معنيا بمن يتصدر فهذه النغمة في الأدب لا أرتاح لها. بالنسبة للرواية يدهشني كثيراً الكاتب التونسي (الحبيب السالمي) والمغربي (الطاهر بن جلون)، أما في القصة العراقي (عبدالرحمن مجيد الربيعي). الدهشة أروع من التصدر والنجومية؟

يرى بعض أن القصة البحرينية حققت قفزاتها عبر الأصوات الشابة فيما يتشبث بعض آخر بمقولة أن الجيل السابق هو الذي أعطاها الزخم والأرضية والتواجد الفاعل.. أيهما تراه الأقرب للحقيقة، وما رأيك في الأصوات  البحرينية الجديدة ؟

أنا أميل لتأكيد الشق الثاني من السؤال بأن الجيل السابق أعطاها الزخم ولكن ليس عبر التواجد الفاعل ولكن بإبداعاته التي يشهد لها المبدعون من خارج البحرين. سأتكلم عن نفسي وأجدني ممتناً كثيراً للأديب عبدالقادرعقيل الذي رافق بداياتي ووجهني للكثير من الأمور، وكذلك الأديب محمد عبدالملك،لايمكن للأصوات الشابة أن تكبر دون رعاية أو توجيه لذلك تحتاج للجيل السابق وللأسف هذا يتم عبر مجهودات ذاتية أو شخصية. لكن يحسب لأسرة الأدباء والكتاب في السنوات الأخيرة اهتمامها بالأصوات الشابة عبر تنظيم لقاء خاص بها ومتابعتها بشكل خاص حتى تنمي موهبتها بالطريقة المثلى،هناك أيضاً الملتقى الأهلي الثقافي الذي أنشأ (لجنة الأطياف الشبابية) أعضاؤها من الشباب مهمتها العناية بالطاقة الشبابية وتوفير الجو الملائم للإبداع،الأصوات الشبابية كثيرة لكن المتميز منها مقل ولا ينشر كثيراً وأذكر منهم مها المسجن، حسن بوحسن، أحمد المؤذن، لينا المقهوي.

تواجدك في الساحة الأدبية البحرينية قليل من حيث النشر أو تناول النقاد لأعمالك، حتى روايتك الأخيرة وزعت في البحرين قبل غيرها من الدول ولكني لم أقرأ عنها إلا خبرا بإحدى الصحف لا يتجاوز 003كلمة، وفي المقابل تم تناول الرواية بصورة أوسع وإن كانت قراءة مبدئية، في العدد الأخير من مجلة عمان الثقافية التي تصدر في الأردن، على سبيل المثال، بم تفسر ذلك ؟

في الفترة القليلة الماضية كان النشر في الصحافة يخضع للمساحة المتاحة وهي ضيقة ولا تكفي لقصة طويلة نوعاًما؟ في الفترة القادمة سيتغير المشهد بولادة صحيفتين جديدتين وبالتالي ظهور منافسة بين الصفحات الثقافية التي أتمناها أن تكون في صالح المبدع أولاً والمشهد الثقافي البحريني أخيراً،أما مسألة النقد فذكرتها في سؤال سابق. ما كتب عن تجربتي خارج البحرين يفوق ما كتب في داخلها ويكفي أن أعترف بأن خبر صدور مجموعتي القصصية الأخيرة (رائحة الليل) كان من صياغتي بناء على توصية من محرري الصفحات الثقافية في أكثر من جريدة بسبب ضيق الوقت (بالطبع) وعدم قراءة المجموعة (على الأرجح)، والمسألة لا تحتاج للتفسير. العلاقات الشخصية هي الأهم وليست التجربة. ويكفي أن أذكر بأنه في وقت من الأوقات تم نشر رؤية نقدية لمخطوطة عمل لم ينشر في كتاب؟ هل وصلنا إلى هذا الحد؟ بالنسبة لي لم يعد مهماً أن يتناول النقاد إصداراتي أو يتناول أشباههم تجربتي في الصحافة فقد اكتسبت مناعة ضد إنتقائيتهم. المهم أن يلتفتوا للشباب ويصححوا أخطاءهم عبر تناول تجربتهم الغضة بحب وحنان، بعيداً عن التعصب الأعمى لشللية.

كونك من هواة الإنترنت، وتمتلك موقعا يحوي مقهى للثقافة، ماذا أضافت لك هذه التقنية المعلوماتية؟ وهل تعتقد أن الانترنت أتاح البوابة للمثقف ليقدم عبرها نصوصه التي كانت تصطدم بالكثير من الهوامش؟

فضاء الإنترنت أعطاني الكثير. تعرفت على الكثير من المبدعين الذين تعرفوا على تجربتي بعيداً عن شخصيتي وهم الذين قرأوني بمعزل عن العلاقات والمذاهب في مساحات أزالت عوائق النشر وأصبح نتاجي يقرأ على أوسع نطاق عبر ما أستلمه في بريدي من ملاحظات نقدية أو إحتفائية وما يسطره الآخرون في سجل الزوار للموقع، ويكفيني أن يتخطى العداد حاجز 865751 زائراً منذ العام 2002م وحتى ساعة إجراء هذه المقابلة،وأفضل اعتراف أناله هو حصول الموقع على جائزة البحرين للمحتوى الإلكتروني لأفضل محتوى ثقافي إلكتروني م-كٌُِِّّّْم. وهو حافز رائع بالنسبة لأديب مثلي عانى الكثير من التهميش واختار طائعاً العيش في الظل والعزلة بسبب ممارسات لا تمت للأدب بصلة وهو ما أوصل الساحة الثقافية والأدبية في البحرين للحال الضعيفة التي عليها الآن، وبشهادة أشقائنا في الخليج الذين باتوا يسبقوننا بمراحل وبجيل شاب وواعد أعدوه بحب ليواصل حمل أمانة الكلمة من بعدهم.
الإنترنت تجربة جميلة يجب أن يخوضها المبدع ويتواصل معها لأنها المغامرة الجديدة التي تنتظرها كما وأنها التحدي الجديد الذي ينتظر مبادرتنا. للأسف نحن كمثقفين ومبدعين لم نستغل هذه التقنية كما يجب ولم نستطع أن نمتطي هذا المنبر ونروضه لخدمة الثقافة والأدب وإيصال الصوت الثقافي البحريني للمدى الأرحب. أتمنى لو ينتفض أؤلئك الغافلون من الأدباء والكتاب وينتبهون لأثر هذه التقنية في نشر أفكارهم وكتاباتهم، وبل وتعديه إلى ترجمة أعمالهم ونشرها للقارئ الأجنبي.

التواصل الشبكي يسهل أمورا كثيرة كانت تسبب إشكالات عديدة منها المادي والرقابي والاجتماعي إلى آخره فضلاً عن المعوقات التي تشوب علاقاتنا العربية وتشتهر بها. يكفي أن مسألة النشر وإيصال المادة الأدبية أصبح في متناول اليد ولم يعد مشكلة مؤرقة. يكفي أن الرقيب أصبح في وضع يحسد عليه ولم تعد له تلك السطوة الزائفة وذلك الجبروت الهش؟

هناك تباين كبير في تجربتك، من حيث اللغة التي تكتب بها، والأسلوب الذي يتراوح بين الحداثي، والكلاسيكي الغاية في البساطة، بماذا تفسر ذلك ؟

أنا لا أقترح شكلاً للكتابة فالموضوع هو الذي يفرض نفسه. أعتقد أنه بعد رحلة شاقة مع التجريب وصلت لقناعة بأنه يجب علي أن أكتب ما أحبه فعلاً لا ما يشتهي أن أكتبه الآخرون .. أن أنصت لنفسي كما قال لي الشاعر قاسم حداد وهي مقولة صحيحة عندما كتبت نص (كائنات المستنقع). أجيد الأسلوبين لكنني أجد نفسي في اللون الكلاسيكي وأحن للحداثي في الوقت نفسه،هذا هو التفسير الوحيد الذي أعرفه كما أعرف أنني بعد هذه الرحلة الشاقة أصبحت مهموماً بالإنسان وبت أكثر قناعة بأنه يستحق مني أن أعطيه ما يستحقه .. ما يصله في العمق .. وأنا أرى أن الأسلوب الكلاسيكي هو الأصلح لهذا الهدف.

أسألك كما قلت في كائنات المستنقع: (هل أنت بحاجة إلى عود ثقاب، وقلب من الشمع) حتى تكتب ؟ وهل هناك أمور تستفزك وتجعلك تكتب، كونك تكتب بعض قصصك من الواقع المعيش؟ أم أنك تكتب بعدما تتجه للورقة مقرراً الكتابة ؟

نحتاج عود الثقاب لكي ينير طريقنا المظلم وغير المعبد. الإنسانية تحتاج لأدبائها على الدوام فهم الأعين التي تشاهد الدرب. الأديب يحترق ويصهر قلبه من أجل أن يتحرر الإنسان، ولاغرو بأن شعار أسرة الأدباء (الكلمة من أجل الأنسان) لهو دليل واضح على مكانة الإنسان في الأدب، وعند الأديب،المحيط والإحباطات وردود الأفعال والأحاديث الجانبية والمهاترات والنميمة وأشياء كثيرة مرتبطة بالإنسان تستفزني لأكتب، عندما أتجه للورقة فأنا لا أفهرس مواضيع الكتابة فهي تهطل بعد موقف قد يظل في ذاكرتي مدة زمنية ليست بالهينة،هناك الكثير ليقال في الواقع المعيش .. المهم أن نعرف كيف نتعامل معه وكيف نحوله لعمل إبداعي يجعل من المعاناة رمزاً نبيلاً تستحق أن نناضل من أجل رفعها.

كانت المستنقع، مجموعة قصصية قصيرة أشبه بالنصوص، ألا تفكر بكتابة نص روائي مستخدما  التقنية والأدوات ذاتها؟

التقنية التي كتبت بها كائنات المستنقع تحتاج أيضاً لفكرة إستثنائية هي الآن قيد التحضير حيث أعد تجربة مغايرة .. مثيرة للدهشة، لا تحتمل الكلاسيكية كإطار، عمل يحتاج الكثير من الوقت للتحضير قبل الشروع في الكتابة، وهي تجريب منفتح على أشكال ثقافية ومعرفية أخرى غير الكتابة، تستخدم كأدوات مساندة.

ما آخر مشاريعك الكتابية التي تقوم بها في الوقت الراهن وتضع اللمسات النهائية عليها استعداداً لطبعها؟
رواية (الأشباح الأخيرة) ومجموعة قصصية (ذاكرة من ورق)، وهما مشروعان مؤجلان منذ العام الماضي. كما فرغت مؤخراً من مجموعة قصصية تحمل عنوان (الظل الأليف)لتكون جديدي للعام 7002م.

 

سوسن دهنيم

جريدة الوطن البحرينية

17 ديسمبر 2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *