أكتب ما أقتنع به.

يعبث بالخيال ، يشكل منه شيئاً من الواقع ، تداعب مخيلته امرأة ذاتها نسيجاً من محض الواقع والخيال ، تقف خلف كرسيه ، تعده بالأجمل وهو يسطر كلماته على الورق . تحاول امرأة خياله أن تخلصه من أحزانه ، ذكرياته ومن الأرق . القاص البحريني “جمال الخياط” كانت بدايته مع الشعرحيث بدأ بكتابته في المرحلة الثانوية من دراسته ثم كانت انطلاقته على يد الدكتور علوي الهاشمي فكان استمرار جمال الخياط من خلال صفحة “حقيبة الأدب” في مجلة البحرين . وجد بأن باب الشعر لم يعد يتسع لأحاسيسه وأفكاره لذلك أتجه إلى القصة التي يعتبرها كاتبنا بأنها الوعاء الأقدر على احتواء ما يضج به صدره من مشاعر. بدأ حديثه قائلاً:

كانت انطلاقتي في نشر كتاباتي على يد الشاعر الدكتور علوي الهاشمي والذي أدين له بالفضل الكبير في استمراري في الكتابة وعدم الاستسلام للاحباط كما لا أنكر دور الاستاذ أحمد الساعاتي في مساعدتي السخية للنشر من خلال مكتب جريدة الخليج الشارقية في البحرين

عندما تمسك قلمك وترسم كتاباتك على الورق هل تضع في اعتبارك لمن تكتب؟

هذه مسألة في غاية الحساسية وهي عندما تضع القارىء أمامك بكافة مستوياته وتكتب . قد يثور عليك زملائك في الكتابة – من وراء ظهرك طبعاً – ويتهمونك بالسطحية وينعتون كتاباتك بالسطحية. وعندما تضع القارىء خلفك وتكتب يرضى عنك الزملاء ويتهمك القارىء بالتعالي والغموض.

هل أوضحت أكثر؟

هذه المسألة لم تعد تهمني الآن وبت أكتب ما أقتنع له شخصياً ويحقق لي قدراً لا بأس به من الرضا للقارىء الذي لا يزال ينشد من الكتابة متعة لا تضاهى.

كل مبدع يحلم بالتغيير الفني للأفضل فما هو تصورك لهذا التغيير في ميدان الكتابة في البحرين؟

شخصياً لا تعنيني مستويات الكتابة في البحرين ، لي حلمي الخاص بكتاباتي وهو حلم قديم يتجدد مع كل عمل أنتهي من انجازه وهذا الحلم وغيره من هموم الكتابة عند زملائي يشكل حلماً كبيراً ، أن ترتقي الكتابة الى ابداع متميز لأبناء هذه الجزيرة الضيقة بمساحتها الجغرافية الواسعة بثقافة أبنائها الكتاب . حلمي أن أصل بكتاباتي الى العالمية . أن يصل صوتي الى معظم بقاع الأرض وهو حلم لا علاقة بحمى الجوائز أو الغرور.

تستحوذ المرأة بالنصيب الأكبر من كتاباتك كما في قصصك “المرايا” و “الساحلية” هل هي دخيلة على كتاباتك؟ هل تكتب بغرض الحاجة لها أم أن وراء كل رجل عظيم امرأة؟

للمرأة مساحة واسعة في ذاكرتي ، مخيلتي ، في صفحات الماضي الذي لا أحب أن أسترجعه إلا نادراً ، وهو وقت الكتابة. المرأة هي السبب الوحيد الذي يجعلني أكتب كما أنها الوحيدة التي تجعلني أتوقف عن الكتابة. عندما أكتب عنها أجد نفسي في مواجهة حاسمة مع ذكرياتي وأفكاري التي لا تعجب الكثيرين لذلك أنكسر تاركاً المواجهة الحاسمة للعمل القادم وتجدين المرأة لا تنقطع سيرتها في أعمالي ، تحاول أن تغسل حزن السنين عن فؤادي . المرأة والحزن وجهان لعملة واحدة هي كتاباتي.

ما مدى تواصلك مع باقي الكتاب البحرينين؟

لا يوجد تواصل مع بقية الكتاب البحرينيين لأنهم يعيشون في تكتلات ولا يقبلون أحد لا ينسجم مع أراء ومعتقدات المجموعة الفكرية والأدبية. لا يتقبل أحداً منهم ديموقراطية الحوار كما لا يكترث أحد منهم بتجربة الشباب الأدبية ، فالتجارب الأخرى في نظرهم أما تافهة أو ساذجة أو غير ناضجة وكأنهم الوحيدون الذين يملكون مفاتيح مدن الكتابة. شخصياً لا أتفاؤل بمستقبل الكتابة الإبداعية وبالنسبة لأسرة الأدباء والكتاب فهي لا تمثلني رغم عضويتي ، وأنا أعتبر تصريحي هذا بمثابة إستقالة علنية. إتصالي الوحيد بالزميلة فاطمة التيتون وهي تجربة أعتز بالتواصل معها على الصعيدين الإبداعي والاجتماعي ، ويكفي جداً أن نكون ضحايا هذا الوضع الثقافي الهش كما أتمنى أن يجمعني معها عمل مشترك.

نعود لموضوع المرأة ولنقف أمام نافذتك الكتابية ولننظر منها ولنرى كيف ترى المرأة؟ وكيف هي في عينيك؟

في ذاكرة كل كاتب امرأة استثنائية يحلم بها تخلصه من أحزانه وذكرياته المريرة ، هذه المرأة يندر أن يحبل بها هذا الواقع المزيف . أنها نموذج جميل ورائع تدفع الكاتب لمواصلة درب الكتابة . هذه المرأة تظل روحاً ترفرف على رأسه وقت الكتابة ، تعد له الشاي وتقف خلف كرسيه تراقبه وهو ينظر للعالم من زاوية ضيقة ، تحتضنه بالرضا من الأيام القادمة . في رواية “الساحلية” كانت المرأة بطلاً ايجابياً وكان الرجل سلبياً يجسد احباطاتي ، التي هي بالأساس احباطات شريحة واسعة من الناس. أرى المرأة في حياتنا هي البطل الايجابي أما الرجل فأكذوبة كبرى يأمل بأن تكون المرأة جاريته الأبدية التي تمده بالرغبات فقط.

من الملاحظ في كتاباتك وبعض قصصك تأثرك بتاريخ جدك وذكرياتك القديمة قد كررتها في عدة كتابات وان كانت بصورة مختلفة فهل ترى تقوقع الكاتب في اطار محدد يكون في صالحه؟

ذاكرتي مستودع ضخم من الحكايات الغريبة والمشوقة لجدي النصيب الأوفر منها ، ومع ذلك لم يخرج للنور الا القليل وأنا أعتقد بأن ما قمت بكتابته لا يرقى لمستوى طموحي والأحداث التي عايشتها معه. جدي عاصر أحداث كثيرة وشاركنا – نحن أحفاده دون تمييز – في معاناته. كما أنني من خلال ما كتبته لم أكرر نفسي اطلاقاً. في كل عمل كان جدي يجسد موقفاً ، نظرة ما تصعب أن تتكرر لأنه شخصية نادرة يعرف كيف يتعامل مع الحزن بحرفنة.

وماذا عن عملك الجديد، ما موضوعه؟

عملي القادم هو نص جديد، فكرة ومضمون وكتابة يحمل عنواناً “حديقة الأحلام” يتكون من ستة أجزاء موزعة على جزأين لكل شخصية ، الحبيب ، العاشقة والجد الذي ليس بالضرورة هو جدي. المرأة هي بطلة هذا العمل الرئيسية وحولها تدور كل الأحداث. أتمنى أن ينشر هذا العمل في نهاية العام على نفقتي الخاصة.

وهكذا حلقنا مع كاتبنا في عالمه الفضائي الممزوج بالواقع والخيال معاً. تعرفنا على نظرته الذاتية في الحياة والمجتمع حيث يرى بأن الحياة أجمل بكثير من الصورة التي يحاول البعض تشويهها. ونظرنا من زاويته الخاصة على امرأة خياله فوجدناها ترفرف فوق مكتبه وقرأناها في معظم قصصه وكتاباته وسرقنا من عينيه محض صراحته وواقعيته رغم الخيال في ذاته. ولنقف عند هذا القلم ذو الحس الورهف رغم خشونته. الا يستحق تعاون جاد من أسرة أدبائنا وكتابنا تجاه هذه الاقلام المبدعة.

عائشة غريب

مجلة بانوراما الخليج

أغسطس – 1995م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *