الكتابة أرق متجدد.

جمال الخياط قاص شاب بدأ بكتابة القصة من خلال الشعر ثم وجد نفسه في أحضان القصة ، نحاوره في تجربته الإبداعية.

لكي نؤسس لهذا الحوار قاعدة ينبغي أن نعرف إتصالك بالقصة كيف بدأت بها ولماذا؟

الصدفة وحدها هي التي قادتني للقصة . شيء غريب فعلاً ولكنها هكذا بدأت . تولعت بكتابة الشعر وأعتقد بأن أغلب كتاب القصة بدأوا من الشعر . إن أنتقالي من الخاطرة إلى الشعر كان نتيجة تعلقي بقصائد نزار قباني ، وكانت الغالبية من قصائد البداية تقليد أعمى لطريقة نزار في الكتابة. في الشعر وجدت تجربتي اهتماماً من الدكتور علوي الهاشمي الذي أعتبره الأب الروحي للكتاب الشباب . كان معي أخوه أختفوا الآن أذكر منهم مبارك المضحي وحسن كندي . وعبر احتضان الدكتور علوي لنا في حقيبة الأدب توطدت علاقتي بالكتابة . كنت طالباً جامعياً بالسنة الأولى عندما بدأت الكتابة بغزارة ، وعندما ترك الدكتور الهاشمي الصفحة توقفت عن النشر مؤقتاً. ذات مرة أرسلت قصيدة تحمل موضوعاً تاريخياً إلى الشاعرة منى غزال مشرفة الصفحة الثقافية بجريدة أخبار الخليج وأعقبت برد قاسي على المحاولة دون نشرها . نصحتني بطرق باب النثر . في ذلك الوقت أحترقت غضباً ثم هدأت لأنني وجدت بأنها محقة عندما وجدت ضالتي في القصة القصيرة. وهكذا هجرت الشعر بمصباح سحري من منى غزال إلى القصة التي وجدت نفسي بين أحضانها . وجدت كوة صغيرة تكفي بالكاد لإخراج رأسي لأطل على العالم وأقول كلمتي . أطل لأنسج نفسي ، وللناس من حولي غداً جميلاً.

والآن بعد إصدارك لمجموعة ” ليلة دافئة ” و ” معاول والجدار قشرة بيضة ” ماذا تشكل الكتابة بالنسبة لك ؟

الكتابة أرق متجدد فأنا أكتب لكي أتواصل مع مخلوق بربري يستوطن أعماقي . لا يفطن لما أقوله في أغلب الأحيان ولا يرضيه ما أسكبه على الأوراق . يحتج دائماً على كلمتي ، ولقد أعددت لرحلة طويلة أرافقه علي أروضه. طالما أنني أكتب فالتلذذ متعتي الحقيقية في هذه المعركة ، وعندما يأتي ذلك اليوم سيحاورني فيه هذا البربري وترضيه كلمتي سأتوقف عن الكتابة وأقذف بالقلم في أقرب مزبلة . وثقتي المطلقة لخطة الالتحام مع القلم والكلمة . لاشيء في هذا العالم يثيرني أكثر من مضاجعة الحروف . كل إبهار يفني وكل توهج يخبو ويبقى الحرف مصباحاً يضيء عتمة الطريق. بعد ليلة دافئة ومعاول والجدار قشرة بيضة تعاظمت الفجوة بيني وبين المارد وأصبح وأصبح كل واحد منا يسعى للتخلص من الآخر ، وأصبح الطريق وعراً وأكثر قتامة ، وتحدي.

في مجموعتيك ثمة تراوح كبير إختيار الشكل من قصة لأخرى ، كأن تكتب بأسلوب واقعي يعتمد بساطة السرد واللغة ، وبين الكابوسية أو الفانتازيا التي تعتمد بعضها على التكثيف والرمز . كيف تنظر إلى الشكل في تجربتك ، وكيف يكون إختيارك له ؟

دعني أوجه لك السؤال ذاته معكوساً . لماذا يجب علي أن أكتب بطريقة واحدة يلتزم بها سواء في المجموعة الواحدة أو في مسيرته الإبداعية؟ أنا أرى من وجهة نظري أنها مسألة شكلية بحتة لا تفيد الحركة الأدبية على السواء ، بل أنها في بعض الأحيان استفزازية أدت إلى نزع الإحترام بين التيارات المختلفة خلقياً وأدبياً . الكل يجزم بأن منهجه في الكتابة هو الأصوب. منذ أن بدأت الكتابة وأنا ألتزم بمبدأ لن أحيد عنه . سوف لن أتبع أي تيار وأتحيز له . لن أنتمي إلى أية جماعة تتعصب لأي أتجاه ترى فيه أنه الأمثل . سأكون في هذه الحالة مجرد أداة في يد المتبوع ، وهذا ما أرفضه بشدة. أنا في حالة تجريب مستمرة فدعوني وشأني أكتب قصة واقعية جداً ، وقصة رمزية مكثفة ، وقصة علمية ، وقصة سريالية . في مجموعة ” ليلة دافئة ” حاولت المصالحة بين الواقعية والسريالية ، وفي المجموعة الثانية ” معاول والجدار قشرة بيضة ” كتبت القصة البسيطة الموجهة للشريحة العامة من الناس ، وستكون المجموعة الثالثة مختلفة أيضاً.

لا أضع شكلاً مسبقاً لكتاباتي . أنها تأتي أحياناً فطرية وعفوية ، واذا وضعت شكلاً أحاول قدر الأمكان أن أتجاوزه أثناء الكتابة وأتحرر من أي قيد . أعتقد بأنه يجب أن لا نفرض حظراً على إبداعنا من أي نوع . أعرف كتاباً ينتمون لتيار ما ويكتبون إبداعات جميلة في تيار آخر ثم يتخلصون من هذه الكتابات حتى لا تشكل إنتهاكاً لنظرياتهم ويتهموا بالازدواجية . من منبر الأيام الثقافية أريد أن أسمع صوتي للجميع دون إستثناء . سأكتب ما يحلو لي ومن يهوي التسميات له مطلق الحرية أن يتفلسف ويصف . سيتعب لأن كل شيء يعجبني سوف أنتمي إليه.

في مجموعتك الأخيرة توقفنا بعض العناوين مثل ” معاول والجدار قشرة بيضة ” و ” الرجل النعامة ” و ” رجل بظل زجاجة المرقدوش ” ، هذه العناوين كيف تختارها ، وعلى أي أساس، وهل تحاول أن تخلق صلة قوية ومرتبطة بينها وبين مضمون العمل خاصة وأنك تغفل الناحية الجمالية في هذا الأختيار ؟

اختياري للعناوين يكون دائماً من أصعب المهام في كتابة القصة . لازلت أبحث عن الأسباب ولكن عموماً اختياري يتبع من أجواء القصة ذاتها ، من الرائحة التي تعبق بها وتوقع القارىء من شراك لا فكاك منه. يجب أن يكون العنوان أولاً وقبل أي شيء مغرياً لي وإلا ما اخترته . اعتقادك بالعناوين التي ذكرتها خاطىء تماماً فتقدير الناحية الجمالية تختلف من شخص لآخر . توجد في عنوان المجموعة صورة جميلة وإن كنت كقارئ لا أقف كثيراً أمام العناوين ، بأستثناء عنوان المجموعة ، وأنظر للقصة كمحور لإهتمامي . الكثير من الكتاب لا يعيرون هذه الناحية اهتمامهم الكبير وهناك كتاب يشعرون بأن العنوان عبء ثقيل لذلك يلجأون إلى عنوان من كلمة واحدة . أليس في هذا إغفال للناحية الجمالية؟ لا أعتقد.

كيف ترى واقع القصة القصيرة في البحرين ؟

تعتبر البحرين عاصمة الخليج الثقافية بشهادة الجميع . ينظر الأخوة كتاب الخليج لنا كرياديين في المجال الثقافي . للقصة في البحرين تاريخ طويل ظل يتواصل ويتطور ويتشكل من خلال تيارات شتى . توالت أسماء تكتب القصة القصيرة بعضها تميز وبعضا أحبط . واقع القصة في البحرين أفضل بكثير من واقع الدول الخليجية . لدينا قصاصون متميزون ومعروفون في المحيط العربي الرحب. هناك محمد عبدالملك ، الأب الروحي للقصة القصيرة البحرينية الذي ترجمت بعض أعماله للروسية . هناك أمين صالح الذي أبتدع قالباً جديداً للقصة الحديثة ويشد بتجربته الفريدة النقاد العرب . ولا ننسى عبدالقادر عقيل وغيرهم الكثير من يشكلون رموزاً مضيئة للقصة البحرينية المعاصرة . منذ فترة لم تشهد الساحة الأدبية مولد قاص جديد وهذه ظاهرة ينبغي دراستها من قبل النقاد حتى لا تنعكس سلباً على الواقع الثقافي . حقيقة نحن بحاجة لدماء جديدة ونفتقد أيضاً الأصوات النسائية . لم نعد نسمع عن منيرة الفاضل بعد الريمورا وجذبت الصحافة فوزية رشيد . ما نعانيه حقاً تخلف النقد والتحليلات عن مواكبة الحركة القصصية . النقد الموضوعي غائب واذا وجد فأنه مجرد انطباعات سريعة بين الأصدقاء في التيار الواحد وأحياناً تخرج عن الأختلاف وتكون في الغالب تشكيكاً في قدرات الكاتب . أعتقد بأننا سنظل لسنوات قادمة نقرأ عن المجموعة القصصية خبر صدورها فقط.

الكثير يشعر بأن جمال الخياط بعيد عن الحركة الأدبية من ناحية التواصل الشخصي أو من خلال متابعة الفعاليات الأدبية فما رأيك في هذا القول ؟

أشعر بأن الكثير من أعضاء الحركة الأدبية يرغبون بأن أكون بعيداً ولا يكترثون لتجربتي القصصية . يرزن فيها شخبطات صبيانية ستخبو لا ريب . يتجاهلونه في شتى المجالات ويشعلون حرباً خفية ضد بقائه ، وبالرغم من العزلة المصطنعة والتعتيم إلا أن جنال الخياط لازال قوياً يحن إلى الالتفاف الصادق . عن طريق ” الأيام الثقافية ” وجهت دعوة تضامنية لنبذ الخلاف والعمل على خلق جو صحي وأتمنى أن تجد هذه الدعوة صدى عند أؤلئك المعنيين بالأمر . أتفق معك بأنني بعيد عن التواصل الشخصي مع البعض بينما أنا قريب من البعض الآخر . أتابع الفعاليات الثقافية حسب أمكانيات وقتي الذي يأخذ العمل مساحة كبيرة منه . هناك أيضاً حساسيتي المفرطة التي تفرض علي بأن لا أتواجد في مكان لا أكون فيه مرغوباً . قدلا تصدقني ولكنني أتألم حين أجد نفسي بعيداً عن رفاق الكلمة . أتوق إلى تبادل الكلمة مع مبدع آخر واقتسام الرأي معه . أطمع في سماع توجيه صادق بعيداً عن انتمائي . حلمت كثيراً ولكن في كل مرة يذهلني سقوط الواقع. عندما تجد أن كل الأبواب موصدة أمامك ، وعندما تجد أمام كل الأبواب بأن هناك حارساً يقهرك وينهرك بالابتعاد فلا حول لك إلا الامتثال والابتعاد أو المحاولة اليائسة من جديد . الكاتب الفلاني لا يجد الوقت ، بل يستخسره ليقرأ تجاربك ويرفضك علناً ، وآخر يرى في تجربتك وهن الشحوب ويراهن على سقوطك ، وآخر يرى في التجاهل وسيلة . ماذا تنتظر من جمال الخياط غير أن يكون بعيداً؟ جمال الخياط وهو بعيد يتألم في صمت ولكنه يشعر براحة مؤقتة ، ويحلم بصباح جديد للكتابة.

فريد رمضان.

جريدة أخبار الخليج البحرينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *