دائماَ كان الكتاب رسولاً للحرية يعطينا مساحة واسعة من الخيال والمعرفة، يحرر العقول والقلوب من سجنها الذهبي ويهديها طرداً من حياة، يعلم العين النظر ويتقن سبر الأنفس. ولكن في عصر ملئ بالمغريات يتفنن في تعظيم صغائر الأمور وتوافهها صار الكتاب سلعة رخيصة قد تشترى من أجل التباهي بمكتبة عظيمة لا يقرؤها إلا الهواء ويتصفحها الغبار يركن على الرفوف وفي الأدراج دونما رحمة، فتضج كلماته بالبكاء وتشتاق صفحاته للمسة من يد مهتم.
* هل يوزع الكتاب البحريني بالشكل الذي يشجع الكاتب على طباعة جديده أي هل يوجد موزع ومتلقي بحريني ؟
التوزيع هو آخر ما يفكر فيه الكاتب لأنه يعلم أنها المشكلة التي ليست لها حل، وبالتالي لا تستوقفه كثيراً وهو يشرع في طباعة نتاجه الجديد. المؤكد بأن الكتاب البحريني، خاصة الأدبي منه لا يحظى بتوزيع معقول، ويظل مركوناً على رف مع مجموعة من الإصدارات البحرينية، في ركن مهمول؟ لذلك فأن الكاتب يجب أن تكون لديه إتصالات شخصية من نوع خاص لتسويق كتابه أما بالإعلان وإما بمحاولة توقيع عقد مع أحدى شركات التوزيع القليلة، المهتمة فقط بالصحف والمجلات؟ بإعتقادي أن مسألة التوزيع باتت لا تؤرق الكاتب كثيراً لأنع يعتمد في النهاية على عدد محدود من القراء يحظون بنسخ مجانية. أن أهم مشكلة يعانيها الكتاب البحريني غياب سياسة توزيع مدروسة وإعتمادها بشكل أساسي على التوزيع العشوائي المصاحب للصحف والمجلات. دور جريدة الأيام كان رائداً في فترة من الفترات لكنه الآن تقلص كثيراً ولا أدري ما ههو السبب لهذا التراجع. أيضاً مؤسسة الهلال كانت نشطة، وأعتقد بأن التوزيع أصبح مكلفاً لأنه بات يعتمد بشكل أكبر على الجانب الإعلاني. نعم يوجد متلقي بحريني، ولا يجب أن نبقى نلومه في ظل مناخ إستهلاكي حتى النخاع،، وتعتيم إعلامي متمثل في تجاهل الصفحات الثقافية في الصحف بسبب الشللية والترفع والتبعية العمياء للتيارات الأدبية.
* هل يحصد الكاتب ربع تكلفة الكتاب المادية إذا كان يقوم بتوزيع بعض النسخ على المثقفين مجانا من باب الذوق ؟!
في السابق كان يحصل الكاتب على هذه التكلفة وربما أكثر قليلاً بسبب دعم مؤسسات حكومية مثل وزارة التربية والتعليم، المؤسسة العامة للشباب والرياضة وغيرها من المؤسسات الأهلية أيضاً، ولو أنني آسف لتوقف مثل هذا الدعم ولكنه ليس الحل الأمثل لهذه المشكلة التي يتحمل وزرها أطراف عدة من الجانب الرسمي والأهلي. ديوان شعريطبع ولا يوزع إلا في أماكن محدودة، رواية تطبع وتركن في زاوية مكتبة تزدحم بكتب الطبخ والتنجيم، مجموعة قصصية تطبع ولا تجد محرراً يشير لصدورها أو ناقداً يتناول بالتحليل؟ بإختصار كتاب مثل الشبح كيف سيحصل صاحبه على قليل من المال تغطي جزءً من تكلفته، خاصة وأن أغلبب الكتاب على شفى حفرة من الإفلاس؟ يبقى التوزيع المجاني هو الجانب المضيئ عند الكاتب لأنه يخلق له حالة من التواصل يتلذذ بها، يمكن أن تنسيه مرارة الخسارة المادية للطباعة. أصبحت الطباع الآن لمعظم الكتاب حالة من حالات أثببات الوجود.
* هل هناك حلا لهذه الأزمة من وجهة نظرك خصوصا وأن وزارة التربية قد توقفت عن شراء الخمسين نسخة من كل مطبوع بحريني وأن وزارة الإعلام وإدارة الثقافة لا تشتري ولو العدد القليل من المطبوعات ؟
وزارة الإعلام أو غيرها من المؤسسات الرسمية ليست ملزمة بشراء النسخ من الكاتب بصفته حلاًً لمشكلة التوزيع. أنا مع الحل الأكثر واقعية وهو ما تقوم به مشكورة إدارة الثقافة من طباعة النتاج البحريني بالإشتراك مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر، في النهاية الكاتب مهتم بأن يطبع كتابه ويوزع بشكل جيد في أغلب بلدان الوطن العربي وهو ما تقوم به المؤسسة بشكل مرضي. الحل أن يكون هناك توجه رسمي عبر وزارة الأعلام أو أهلي عن طريق أسرة الأدباء أو غيرهما، بالتعاطي مع مشكل التوزيع عبر تنظيم ندوة تجمع الكاتب بالموزع بالمعلن ومحاولة التوصل لتوصيات ترضي جميع الأطراف. أعتقد بأن التوزيع الداخلي سيظل مرهوناً بسياسة المؤسسات المحكومة جداً بعقلية الربح الأعظم والخسارة التي لا تذكر. ومادامم الأمر مستمراً منذ السبعينات فليس على الكاتب إلا أن يتنازل عن حقه ويقبل بأقل القليل، التوزيع المجاني.
* ما الذي ينتظره الكاتب من الجهات المختصة؟( وزارة التربية، الإعلام، إدارة الثقافة؟)
الكتاب البحريني، ومثله الكاتب، مظلوم إعلامياً وتربوياً، فنحن لا نرى الكاتب أو الأديب لايطل من الشاشة الفضية إلا بالكاد؟ وتكون مشاركاته البرامجية أو الدرامية محدودة أو محصورة بأسماء معينة في حد ذاتها. أما أعماله فلا تتحول إلى دراما تليفزيونية/إذااعية إلا في ما ندرر وفي أوقات ماضية نكاد نكون نسيناها أو هي موسمية فقط، رمضان نموذجاً؟ أما وزارة التربية فتمارس دوراً أعظم في تجاهل الكتاب البحرينيين وعدم تعريف الطالب بكتابه المعاصرين، وكأنها تنتظر نهايتهم لتكريمهم في نص مبتور/ مشوه في كتاب ققد يحذف من المنهج؟ هناك خلل يجب معالجته، وهذا العلاج تتحمله أسرة الأدباء بإعتباره الجهة الأهلية التي تمثل أدباء البحرين وكتابها عبر فتح معابر للحوار مع المسئولين في وزارة التربية.
بعد هذا لا يجب أن نلوم الجمهور أذا لم يعرف الكاتب أو تجاهل نتاجه، في ظل غياب توزيع جيد وإهمال متعدد الجهات.
سوسن دهنيم.
جريدة الوطن البحرينية
15 يونيو 2004م

