أعتقد أن شهادتي في أعمال الأديب البحريني “جمال الخياط” مجروحة إلى حدٍ كبير، لأنني كنت ومازلت من أشد المُتحيزين للأسلوب الحالم في الكتابة، ذاك الذي يستطيع تحويل القبيح إلى شيء مدهش، ووضعه في أجمل صورة مذهلة بين يدي القارئ دون خيانة لحقيقة الشخصية بعاهاتها وأحزانها وأفراحها، ليعيش لذة الحكاية وكأنه جزء منها، وأعتبر أن هذا هو التعريف الحقيقي للإبداع بغض النظر عن الصورة التي يرتديها؛ إذ لطالما كانت الإنسانية بحاجة إلى هذا النوع من الأدب، وهي الآن في قحطها الروحي أشد احتياجا من أي وقتٍ مضى، لترمم بتلك الأحلام اللذيذة خرابها المعنوي الهائل.
كان لقائي بمجموعة “سماء بعيدة المنال” مفاجأة دفعتني للبحث باجتهاد عن أعماله التي قرأت منها: “معاول والجدار قشرة بيضة”، ” كائنات المستنقع”، “الساحلية”، “خلية على السرير”، و “رائحة الليل”، ومازلت أبحث عن المزيد، وأنتظر كل عملٍ جديد بتوق لا ينضب. ربما كان لإخلاصي الشديد في الحفاظ على روح “القارئة” من تطفل روح “الكاتبة أو القاصة” وعينها “الناقدة” على الوقت الذي أقضيه مع العمل الأدبي لئلا تتحول القراءة من “هواية” لذيذة إلى “حرفة” جافة أعذب بها نفسي وأعذب المؤلفين بنبش سهواتهم وعثراتهم دور كبير في حفاظي – حتى اليوم- بالمقدرة على الإعجاب بالأعمال الأدبية التي تقدم للقارئ أحاسيس جديدة حين تفتح أمامه أبوابها للغوص في بحار عوالم لم يزرها من قبل. وأعمال “الخياط”؛ سواء الواقعية أو الفانتازية؛ مشبعة بأحلام تضفي نكهة الحركة، ونبض الحياة، وشيء من الغموض أحيانا، فتتسلل إلى القارئ بخفة، وتجول في دهاليز منسية من كيانه، ثم تطفو على سطح الذاكرة في لحظات غير متوقعة لتقف به في مواجهة حقيقية مع نفسه دون موعد مسبق! شخصيات قصصه الواقعية من النوع الذي يحيط بنا في كل مكان فنراه ولا نبصره، لكنه يبصرها ببصيرته المرهفة، فيقتنصها، ويسلط الضوء على زوايا سرية من حياتها، وسلوكها، وأوجاعها، وسويعات فرحها وأتراحها، ثم يقدمها لنا في قالب مشوق قادر على تذكيرنا بأشخاص نعرفهم حقا، أو أشخاص سبق وأن صادفناهم في طريق حياتنا الماضية ثم جرفهم النسيان. أسلوبه في السرد هادئ متقن، عبقري في تحويل عجينة الواقع إلى نص قصصي شهي بلغته الرشيقة ورؤاه الفلسفية التي تجمع بين العمق والسهولة. وقبل كل هذا يمتلك إحساسا عميقا بالمشاهد والأحداث التي يتخيلها قبل أن يصبها على الورق، فتنتقل عفويا لوجدان القارئ دون وسيط، وهو ما يُعتبر أهم دليل على صدق الموهبة، إن لم يكُن الدليل الأول الذي من دونه لا توجد مهما امتلك المبدع من وعي بالتقنيات الأدبية وأدواتها الجامدة.
أعتقد اعتقادا صادقا أن هذه الموهبة المتميزة، والإحساس الباذخ، يرشحان هذا القلم للمجد مستقبلاً، وللنجومية التي يستحقها أكثر من أدباء كثيرين شاءت الصدف والظروف العادية وغير العادية أن يتجاوزوه، وأتمنى أن يرتقي المكانة التي يستحقها في سماوات الأدب بإذن الله.
زينب علي البحراني/ قاصة
المملكة العربية السعودية.
