نص الذاكرة في قصص جمال الخياط

 جمال الخياط ” كاتب عربي، رفد المكتبة السردية العربية بكوكبة من الأعمال في مجال السرد القصصي والروائي، بدءاً من عام 1986 ووقفتنا هنا مع مجموعة”رائحة الليل”الصادرة ضمن منشورات وزارة الإعلام /الثقافة والتراث القومي بالتعاون مع المؤسسة العربية للنشر والتوزيع/بيروت. توفرت نصوص الخياط على مستويات متعددة من الوعي، سواء على مستوى الذات أم وعي الواقع الاجتماعي أم السياسي.

 نصوص ”جمال الخياط” أمينة لبيئتها وجذرها التاريخي والاجتماعي وتظهر التصاق القاص بمحيطه وبيئته وإستكناهه لمفرداتهما مع انحياز جلي للوطن ورصد أحلام الفقراء.كتب ما يخصه وما يشير له دونما التفات لمقولات النقد الذي يلهث غالباً وراء النص ولا يتقدمه. نص ”الخياط” محمّل بدلالات قد لا يتفق عليها القراء ويكفيك أنه لا يسلمك مقاليد تأويله إلاّ بعد تفكير وإعمال الفكر، فقد كتب بطريقته وعلى كيفه ، بعيداً عن التنميطات النقدية المدرسية التي تحاول الحد من التماعات النص وفيوضاته، وربما لقناعته- وهو على –  حق أن النقد لا يصنع مبدعاً ولا يصادر موهبة.

في مواجهة النص مع أشكال القبح، لا نجد حدثاً مركزيا، بل أحداث متشابكة، بلغة اختلط فيها الوجداني بالمأساوي بالسحري بالعجائبي وتداخل الماضي بالمستقبل بالحاضر، حتى ليمكننا تلمس نفس الراوي التاريخي بين السطور مع تعددية الأصوات السردية وتقطيع الزمن. شخصيات نصوص”جمال الخياط” محورية تنهل من تناقضات وقمع، وتتغذى على تراكمات إحباطات نفسية، مهمشة تعاني من الاضطهاد بطرقة لافتة.

 يمتلك الكاتب نفساً روائياً واضحاً مع ملاحظة إيقاع سردي بطيء يغور في رصد أدق تفاصيل الشخصية ويدون ملامح المكان بإيقاعاته الوجدانية والنفسية.

 وظفت نصوص الخياط ثيمة البحر والفن التشكيلي مع التلوين باللغة.. ”كان يهوى تأمل القلعة الأثرية وهي تتدثر برداء المساء الذي يخفي فتنتها ومن خلفها قرص الشمس يتوارى خجلاً بعد هتكه فتنة الأفق البرتقالي الآخذ في السواد التدريجي استعداداً لهبوط الليل.ص16 .

 كما رصد عوالم الطفولة الساخطة وقسوة الأب وبراءة الأم، حيث نلحظ الهروب من قسوة الأب والارتباط بالأخ كتعويض، مع تعريج رمزي كما تبدى على الصفح 67 مثلا.

تستوقف المتلقي أيضاً تداعيات ضمير المتكلم بفضاءاتها مع توظيف التناوب السردي ووجود السارد المحايد،بروز المكان كان لافتا لدرجة يمكن معها منح البطولة له، معجون ذلك بروح واقعية تنحت النصوص مذاقاً خاصا.

 برز اندماج الشخصيات مع الأحداث وتفاعلها بها ومعها، لدرجة نجح فيها النص بإدخال المتلقي له مشاركا.

 السؤال الذي يبرز هنا يتمثل في محاولة البحث عن أسباب هروب الشخصيات لماضيها وحنينها للماضي، فهل هي بسبب فشل عاطفي أو لعدم القدرة على التواصل مع الجديد الذي يلبس ثوب الحضارة أم هي مجرد رحلة توقا للبحث عن إشباع نحاول أن نجده في جنة حقيقية افتقدناها على ارض الواقع ولا يتم إلاّ باستعادة تجارب تفجر بتذكرها وعي الذات نتيجة الحرمان والقمع فيظهر الشرخ الماثل بين الواقع والمتخيل؟

 رغم أن بعض فقرات النصوص جاءت جملها طويلة نسبيا مما ابتعد بها عن التوتر والتكثيف ، إلاّ أن جمال الخياط، بنصوصه وإبداعاته يظل متوهجا بقضاياه التي انشغل بها وأخلص لها كتابة ووعياً وتأريخا.

 سمير أحمد الشريف

كاتب أردني

جريدة الوطن البحرينية

الأحد 24 سبتمبر 2006م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *