لم يكن عنوان المجموعة اعتباطيا ، عندما اختار الكاتب عنوان إحدى قصصها لتكون العنوان الرئيسي على الغلاف ، فبمجرد قراءة القصة الأولى ( صندوق الحكايات ) ، و هي السابقة على قصة ( رائحة الليل ) ، سيشعر المتلقي بغلبة الليل على عموم زمن المجموعة . ففي ( صندوق الحكايات ) ، يطغى الليل على رواد مقهى حي الصنقل ، كظرف زماني مستمر لحكايات فرحان ، كما جاء في فاتحة النص :
” عندما يهطل المساء في توقيته الذهبي على حي ” الصنقل ” يدلق فرحان من ذاكرته المدهشة حكاية ساحرة كانت رابضة في مستودع عقله الآسر وقتا خرافيا حتى تظهر طرية تلهب دهشتنا و تجعلنا نتمايل ، ونتفاعل ، ونذوب إعجابا من نسيجها المبهر ، المتقن ” [1].
دون أن يفصح الكاتب عن زمن صريح لعلاقة رواد المقهى بفرحان ، مكتفيا بأداة واضحة الدلالة على زمن بعينه مرتبط بمشاعر أهل المقهى نحو فرحان ، إلا أنه مسترجع من الماضي :
” منذ أودعناه حبنا وهو يحضر كل يوم حكاية جديدة تبدأ طقوسها عند حضوره المسائي بدءا بنشوته وهو يختال بمشيته الملكية ، و هو الأعرج قليلا من ناحية رجله اليمنى ، يجر خلفه حفنة من أطفال صغار يشاغبونه بدلال لعله يدلق عليهم ما تيسر من مخلفات الحكاية كأسماء شخوص أو نوعياتهم ، الأمكنة ، الحدث أو مقطوعة مختصرة من الأنشودة التي عادة ما ينهي بها عرضه المسائي الشائق “[2] .
ولا يلبث السارد و يشير إلى العودة للوراء ، لزمن من الماضي ، مرتبط بحضور فرحان لأول مرة للمقهى :
” نتذكر حضور فرحان الأول . أول ما وطئت قدمه أرض المقهى استقبله النادل – ذاته الذي يبجله الآن – بصرخة مدوية يطرده من المكان ، منفسا بذلك عن الذل الذي يعيش فيه . كان فرحان يستجدي منه كأس الشاي و يتنقل بين الطاولات يلاحق فضلات المشروبات الغازية و الصحون شبه الخاوية بعد أن يتركها الرواد . لا يزال الحاج خليفة يتذكر كيف شتمه على وقاحته في ملاحقة عامل النظافة من أجل استرجاع بقايا طعام دخلت كيس القمامة …..
و لقد كانت تلك الأقوال و الأفعال الصادرة عن الحاج خليفة و نادله مبعثا للقلق لكليهما وهما يتخيلان كل على حدة ماذا يمكن أن يجري لو تذكر فرحان فجأة تلك الأيام البائسة وقرر أن يهجر المقهى . لا يهم سوف يتذللان و يتوسلان من أجل أن تعود الحكايات لتزدهر في المكان الذي تألق بسببه ” [3] .
وكما نلاحظ أن السارد أورد في المقطع ذاته ثلاث أزمن مختلفة ( ماضي – حاضر – مستقبلي ) ، ليعقد بواسطتها مقارنة بين الأحوال الثلاثة المذكورة ، أول مرة لفرحان في المقهى ، وهو مرتبط بتذكر السارد ، و آنية تبجيل النادل له ، موازاة مع ما بدر منه في السابق من ازدراء من قبله و من قبل صاحب المقهى الحاج خليفة ، و خوفهما الآني من تذكر فرحان لتلك الأيام ، مما قد يصدر منه لاحقا من هجر للمقهى باستخدام قرينة الاستقبال ( سوف ) .
و يستمر الليل في حضوره الزمني في قصة( تضاريس الفتى الأسمر ) ، وقد ارتبطت لحظة الحدث في رمزية سكون الليل ، حيث مكان الحدث أحد البيوت المهجورة ، المسكون بالخرافات والعفاريت . عندما قرر محمود ويعقوب اقتحام المكان ، بحثا عن الشجاعة والرجولة ، والتي لا يكون محيط فعاليتها و إثباتها إلا زمن غير طبيعي في هذا المكان الموحش ، وهو الليل . فالقصة بدأت بسرد يعقوب عن طريقهما نحو الخرابة ، بما يفيد أسبقية الكلام على الحدث ، معتمدا على الوصف و الحوار في إيضاح ساعات الليل و خلفية شخصيتيهما . وسرد يعقوب يدل على آنية الحدث ، بدليل أسئلته عن محمود و لذاته ، كهذا السؤال الذي أقحمه السارد في وسط استرجاع محمود لعلاقته مع والده :
” لا أدري إن كان محمود يبالغ في روايته ، ولكنني سأتركه يواصل حكاياته و لن أجرؤ على مقاطعته .
- ذات مرة قال لها بصلافة : ستفقدينني بسبب هذا القواد ، و كان يعنيني .. ابنه الوحيد الذي يفتـرض أن يحمل اسـم عائلته بعد رحيله الذي أرجو أن يكون سريعـا “[4] .
و يستمر يعقوب في سرد الحدث الآني ، وما انعكس من وجوه الليل على حديثه ، كما هو القمر و اختلاف حاله النفسي عند يعقوب في موضعين مختلفين ، الأول قبل تصاعد وتيرة الحدث :
” تطلعت إلى القمر في السماء .. لماذا يبدو مضمحلا هذه الأيام ؟ وهذه الغيمة العملاقة لماذا تلازمه منذ بداية الإجازة الصيفية ؟ غيمه قاتمة تحجب معظمه . لا أدري لماذا يعتريني التشاؤم عندما يتحد اللونان الأبيض و الأسود . الصبغة الرمادية الباهتة تعكس نفسيتي . [5] ” .
الثاني بعد انتهى الحدث بهروب محمود و فوز يعقوب :
” عندما انقشعت الغيمه ظهر القمر لأول مرة بكامل استدارته ، جميلا بديعا . كان كبيرا و مضيئا يسكب بشاعرية على المكان خيوطا ساحرة من نوره الخلاب . لم تعد ” الخرابة ” موحشة كما كانت قبل قليل . التقطت علبة السيجارة من الأرض لأدخن السيجارة الأولى في حياتي مدشنا درب الرجولة المثير . [6] ”
ليكون الليل حضوره الزمني شاهدا على أكذوبة رجولة محمود ، بعدما أفزعها يعقوب بأقران الليل حيث الخرابة و تقليد أصوات العفاريت .
وعند الانتقال لقصة أخرى ( نغمات غير موسيقية ) ، لنرصد مواقع الليل في أحداث القصة ، كزمن مرتبط بالعالم التخيلي ، وما ارتبط بالسرد للدلالة على أهمية حضوره الشاهد .
فالقصة تحكي على لسان ساردها عقابا صارما اتخذه الحاج إبراهيم بحق ولده عمران ، وقد ارتبط الليل بكل أوقاته التي يهيمن فيها ظلامه على الوقت على مجريات القصة . وذلك بحسب ما جاء في السرد :
” كان الليل عقاب أخي القاسي عندما بدأ الحاج إبراهيم بسحب امرأته للداخل بمنتهى العنف . ”
وقبلها جاء الليل في بدايات دخول وقته عندما يرصد الحاجة نعيمة وهي تنظف ولدها المعاقب عمران :
” كانت تقوم أيضا عند غروب كل نهار خميس بمسح جلده بتوابل هندية حارة توصي عليها من محل التوابل ……… ”
وفي نفس الفقرة ، شهد الدخول المبكر لليل وفاة الجدة مرزوقة :
” ماتت العجوز حزينة ذات مساء خميس عند غروب الشمس ” [7] .
تساؤلات السارد في النص عن سبب عقاب الحاج إبراهيم لولده عمران ، يدور حول زمن واحد وهو الليل :
” هل يكون السبب هروبه ذات مساء مع أصدقاء جدد أكبر منه سنا ؟ [8] ”
ثم يكون الليل ظرف الزمن الذي تذكره السارد ، ليسترجع فعلة عمران الشنعاء التي كشفها الحاج إبراهيم ، وما أحدثه من شجار عائلي :
” لكنني الآن محتار من عدم تكذيبه لهذه الرواية ومن عدم محو الصورة الأخرى من ذاكرتي ، صورة أبي الحاج إبراهيم وهو يتلصص على عمران ذات مساء من ثقب الباب . لقد بدأت أفهم الآن بعد أن استرجعت ما جرى تلك الليلة من صراخ بين أبي و جدتي ثم بين أمي و جدتي . [9] ”
ليستمر الليل في شهادته على توالي أحدثا القصة ، عندما كان لحظة مناسبة لكي يفرغ الأب إبراهيم آلامه أمام ابنه السارد غير المسمى :
” كانت ليلة مظلمة و كئيبة تلك التي عدت فيها من سينما المحرق مع الأصدقاء بعد مشاهدة فيلم هندي مضجر عندما قبلت عمران على جبهته الباردة و دخلت غرفتي لأنام . وجدت أبي ينتظرني وهو جالس على طرف السرير . كان حزينا لدرجة تبعث على الشفقة و الألم حتى أنه لم ينتبه لدخولي الذي عادة ما يصدر جلبة بسبب استعمالي القوة لفتح الباب . يبدو لي أنه حزين على نفسه و انه بحاجة للبوح المحموم . قبلته على قمة رأسه و جلست عند قدميه أدلكهما كما كنت أفعل منذ الصغر لأخي عمران [10] ” .
وبعد بوح الأب لابنه ، يرحل إلى العالم الآخر في ذات الليلة ، ويترك عقاب عمران في يده ولده الصغير . ليكون اليوم التالي لانقضاء مراسيم العزاء ، وربما يكون نهارا ، يوم خلاص عمران من عقابه القاسي إلى ما هو أدنى .
إلا أن الليل يستمر في استراق السمع و البصر للأم نعيمة ، وهي تطلق ولدها عمران في غياهب انتصافه ، على مرمى بصر السارد :
” عند منتصف كل ليلة تقوم الحاجة نعيمة من نومها المفتعل لتغسل جسد عمران عن الأوساخ و تعطره و تسلمه ثيابا ملونة كما كان يحب أن يلبسها ، ثم تفك قيده و تتركه يهيم في حي العمامره و الهبان في يده . و لا أنام . أظل أراقبها و هي تجوب الممر الضيق أمام البيت جيئة و ذهابا بحذر تقطع كبدها اللهفة بانتظار عودة وليدها الذي اشتاق لاستنشاق هواء المحرق العليل و أزقتها . كم هي طيبة وودودة أمي فهي لا تعلم بأنني أراها من غرفتي بالطابق العلوي عندما أطفئ الأنوار . و لا أنام حتى يعود أخي عمران من رحلته و تقيده أمي مرة أخرى قبل أن تنام مطمئنة “[11] .
والزمن في هذه القصة ، اعتمد على توالي حضور الليل في سرد أحداثها ، حتى مع أسئلة السارد في فاتحة النص ن بما هيأت المتلقي لاكتشاف سبب العقاب القاسي ، عابرا على زمن تصاعدي إلى نهاية القصة .
و في آخر قصة المجموعة ( رائحة الليل ) ، نستشعر ذلك الكائن البشري ( عباس ) المتحد مع الكائن الليلي ( الحلم ) في تعاقب أحداث القصة : ” هذا هو وقته ، عندما يهجع الليل و تستيقظ كائناته البليدة ينتفض من مكانه و يترك صاحبه في مخدعه المتواضع شبه النائم ليصعد هاربا للسطح ، متجنبا الدرجات المتلثمة بالقفـز الرشيق للدرجة التالية السليمة ” [12] . فقد ارتبط عباس بالليل ، لكونه ملاذه و زمنه في الحلم :
” والوقت يمضي عليه منذ المساء حتى قبل منتصف الليل بقليل حين يطفئ السيجارة الأخيرة من العلبة المائلة للاحمرار ويودع الحي الجميل بنظرة حانية من جفنيه الناعسين أخيرا . [13] ”
ليتراءى له حلمه الليلي و المستمر مع فتاته :
” يظل يتقلب على سريره المعدني ، متمردا على كل الجوانب و لا ينام إلا عند قدوم الفجر ، ذلك هو موعد بداية حلمه اليومي عن المرأة التي تلهو مع وصيفاتها الأسماك . حلم لذيذ ينتاب رأسه في نفس التوقيت حيث يشاكسه أو ما يرتخي جفناه و ينسدلان بلطف على عينيه المتعبتين . [14] ”
ولكن أي جمال يحمله زمن الحلم لعباس :
” هذه المرأة مختلفة و جمالها الطبيعي لا يضاهيه أي جمال في الوجود . هذه المرأة خلقت من أجل تلوين حلمه المستحيل و من يدري ربما – كما يفكر في يقظته – تنتظر الفرصة السانحة لتهرب من شرنقتها و تزهر في حياته المرأة التي طال انتظارها وهو على أعتاب الأربعين ، أعزب متلهف للذرية التي تحفظ سلالته من الانقراض ” [15] .
وحلم عباس يتسيد زمن القصة ، بما يسرده من خيالات لا تشاهد إلا في عالم الرؤيا ، و ما الواقع سوى ألم زمن متكرر لعباس ليقظته من الحلم :
” و يصحو عباس . أول ما يستيقـظ يركبه الضجر لأنه لم يعـد يعيش في أجـواء الحلم اللذيذ . كم يكره الصحو و كم يمقت لحظته التي تبتر سعادته . [16] ”
ولماذا يمقت عباس وقت اليقظة :
” تأخذه الخطوة عند صاحبه و هي في العادة ما تكون محطته الأخيرة قبل أن يغسل وجهه و يلبس ثوب العمل الصوفي الأدكن الذي لا تطاق رائحته . يطيل عباس من مداعبة حماره الوفي جانحا بين الغفلة و الأخرى نحو ظهره الذي غالبا ما يكون مرتعا مغريا للذباب . و لا يكلمه حتى ينتهي من تدليكه ثم غسل جسده بالماء البارد و صابون أبو بنت الناعم . غنه يسرف في معاملته حتى لا يغدر به و هو الرفيق الأخير في حياته . رفيق مهنته المزرية في تنظيف البلاعات و التي ساهمت كثيرا في نفور الجميع من حوله و خاصة النساء حتى أصبحت حياته مستحيلا ” [17] .
تأكد لنا زمن الحلم لعباس في رؤيته للمرأة و وصفه جمالها ، إلا أن المسافة بين عباس و حلمه ما تزال فواصل الواقع تقمعها و تجردها من حرية حضورها له أو حضوره لها :
” لم تنته أحلام عباس عند هذا الحد لكنه وصل الآن بيت النوخذة بو سارة الكائن في عمق حي الشويطر و لابد للحلم أن يصادر ويعود بقوة إلى واقعه الأليم حيث الرائحة تتربص لكل جميل في خياله . يصل عباس دائما قبل الوقت الذي يحدده حيث يعاين المكان و ليتأكد من أن المرأة حلمه لا تتواجد في البقعة التي يعمل بها . ما أغربها من نظرية . يخشى من حضورها لسببين أقواهما تافه . لا يريد عباس أن تراه فتاته وهو ينغمس في الوساخة مثل جرذ ، يزيل القذارة بيديه المجردتين التي ربما يستخدمهما لاحقا في مداعبة جسدها . كما لا يرغب أن تكون قرب هذا الخطر بين ركام الأحجار فتلتصق الرائحة بعطورها الصباحية الندية التي تغلف مسام جسدها فتختنق أو تنزلق رجلها في الوحل وهي الرشيقة الناعمة عندما تسرح هائمة وهي تقترب بغية أن تشاهده بوضوح ” [18] .
و بعد زيارة ليلية لفتاة أحلامه / أميرة الأسماك / / سارة بنت النوخذة / مومس من الحي ، استطاع أن يحقق حلمه ، بعدما وعدها بأن يريها ما يوجد في بلاعة النوخذة , و بعد أن وجد عباس جثة فاضل في بلاعة قرب بيت النوخذة ، أيقن أنه أسير لعبة قذرة لا يعرف من هو مدبرها ، الحلم أو الواقع .
إلا أن زمن الحلم مع عباس ما يزال مستمرا حتى نهاية مجريات زمن و سرد القصة ، بعدما كانت مساحة زمن الحلم أوسع بكثير من زمن أحداثها الأخرى . لتكون الخاتمة دليل هذا الاتساع لزمن الحلم في لحظة تراءى فيها أجله :
” ظل عباس جاثيا على ركبته ينتظر أحد أمرين ، إما أن يستيقظ صاحبه من نومه و يأتي فينتشله من وهن رجليه التي جمدت حركته ، وإما أن يسدد النوخذة بو سارة البندقية صوب قلبه و يهديه طلقة مباركة تريحه من هوان الدنيا . [19] ”
فهد الهندال.
ناقد من الكويت
[1] جمال الخياط : رائحة الليل ، ص 13
[2] نفسه ، ص 14
[3] نفسه ، ص 17 -18
[4] نفسه ، ص 51
[5] نفسه ، ص 58
[6] نفسه ، ص 60
[7] نفسه ، ص 65
[8] نفسه ، ص 69
[9] نفسه ، ص 72
[10] نفسه ، ص 74
[11] نفسه ، ص 81
[12] نفسه ، ص 143
[13] نفسه ، ص 144
[14] نفسه ، ص 146
[15] نفسه ، ص 147
[16] نفسه ، ص 150
[17] نفسه ، ص 153
[18] نفسه ، ص 160
[19] نفسه ، ص 174
