وصلت متأخراً فتكورت في أقصي الغرفة. عين تراقب شاشة التلفزيون، والأخرى كادت تقتلع الأعصاب لترابط بقرب قطعة الآيسكريم المحاصر بكلتا يدي ابن الحاج منصور. أزحلق ريقي للمرة المجهولة وأتحسر.
في أقصي الغرفة ذاتها، أمامي أطفال كثيرون يفعلون ما أفعل، وينظرون مثلي بحسد إلى قطعة الآيسكريم الكبيرة وهو تذوب بين شفتي ابن الحاج منصور الذي لم تحد عيناه عن الشاشة السحرية. تابعت المشاهدة وأنا أمضغ في خيالي الذي لن يتحقق في يوم من الأيام.
نحن الآن جميعاً أسرى الفارس المقنع الذي يطل علينا في مصل هذا الوقت من كل يوم، ونصفق له بحماس عندما يصرخ في أعدائه كلمته الإنجليزية المشهورة “داميت”، والتي تعني أحمق. ونتمني أن يتأخر الحاج منصور الذي نتوقع حضوره بين لحظة وأخري، حتى لا يزجرنا بكلماته النابية إلى بيوتنا.
أنتعل تراب الطريق الغاص بالعتمة و أمضي حزيناً إلى البيت. العشاء لا يغريني رغم جوعي الشديد. الوجبة نفسها لم تتغير، الرغيف المغموس في الشاي. أحدق إلى قطعة الرغيف اليابسة وهو تقاوم شراهة الشاي البارد، و إلى أخوتي المتمزقين جوعاً، وأمي التي تنتظر ما يمكن أن يفيض، و أصرخ في وجه أبي:
– هذه الوجبة لا تعجبني ، أريد آيسكريم
أبتلع بقية الكلمات بصفعة ساخنة من يده البحرية فأتمتم علي مضض “داميت” وأنام بمعدة خاوية.
ابن الحاج منصور يقول بأن التلفزيون لا يؤوي مخلوقاته التي تختال علي الشاشة، وأنا لا أصدقه، ولا أصدق كلام الجدة العجوز بأنه مسكون بأرواح متوا لفة. الأرواح لا تتصارع، ولا تتقاتل ، ولا يمكنها أن تكون ماهرة ي تصويب المسدسات إلى صدور الأوغاد، وفي ترويض الخيول البرية، وتأديب الأشرار الخارجين علي قانون العمدة الطيب.
أبي لم يشاهد التلفزيون لذلك لا يهتز لطربي بالمغامرات التي أتلوها، أمي العزيزة لا تكترث إلا بتأمين لقمة نظيفة للبطون الجائعة، وأخوتي يتشوقون للمشاهدة اليوم قبل الغد المظلم، وأنا الوحيد الذي يفخر بهذا الشرق الرفيع في كل المناسبات. قلت لأمي ذات مساء شاحب:
– لماذا لا نمتلك جهاز تليفزيون؟
تضحك بمرارة ثم تجيب:
– جوعنا أهم من تليفزيونك يا ولدي
أتسلل إلى أمي طمعاً في حكاية مسوقة تنسيني رطوبة الأسطح الباردة ولكن أبي يجرها الي فراشه لتسمع حكاياته الأكثر تشويقاً، بكل تأكيد. أحدق في السماء الصافية ، والنجوم المزدحمة في كل الأرجاء. يا إليه كيف تستقر هذه السماء في صندوق صغير اسمه التلفزيون؟ رأيتها ذلك اليوم وهو تمطر بغزارة ودون توقف علي رعاة البقر وهو يطهرون غزالا اصطادوه بعد مطاردة عنيفة ومثيرة حبسنا لها الأنفاس. خلدت للنوم بعد محاولة لعد النجوم التي تختال في السماء.
ابن الحاج منصور صديقي الحميم، وأبي يلح علي في هذه الأيام أن أبتر هذه الصداقة ، وحتى الآن هو يحاربها بطرق سلمية لا تبعث علي القلق.
– أبي. لماذا لا يكون عندنا تليفزيون كالذي في بيت الحاج منصور؟
ويرد باستهتار:
– من اليوم صدرت الأوامر الصارمة – التي لا تقبل المناقشة – بعدم الخروج من البيت مساءً
صلتي بالتلفزيون لم تنقطع ، خاصة وأن ابن الحاج منصور يلهب شوقي كل صباح بحكايات عن برامجه الشيقة، مصارعة ديوك، حرب طائرات ، كرة قدم غريبة ، ومشاهد مخزية بعض الأحيان.
– نحن أول بيت في المنطقة يدخله التلفزيون
…يقولها ابن الحاج منصور ونحن نتمشى بين الأزقة ذات يوم، ثم يقذف بنعله الجلدية ويستلذ بالمشي حافيا مثلي. نعله المصنوعة في ديار نجد تعجبني وأود لو ألبسها خطوة أخري، ولكني أقاوم إغرائي وأتمنع.
– أخبرت أبي بأنكم ستبتاعون تلفزيون قريبا جداً
– ماذا قال؟
– بعد أن مات من شدة الضحك قال: سيشترونه عندما يبيعون بيضة ديكهم. ماذا يقصد؟
– لا أدري
انقطعت صلتي بابن الحاج منصور. أصبحت ألازم أبي في السوق من الصباح وحتى المساء، أساعده في حمل الأمتعة لرواد السوق. كم تمنيت لو أن أبي تاجر كبير مثل الحاج منصور. أمقت فقرنا حتى الموت، هذا الذي يحرمنا من أشياء كثيرة وجميلة ويجعل لعابنا ينهمر كالسيل.
باغتتني أمي ذات يوم وأنا أراقب الدجاج ، ارتبكت ثم بررت:
– أنتظر بيضة الديك
تضحك وهو تطأطئي رأسها. أقاوم رغبة ملحة بالبكاء ولا أقدر علي الكتمان. أدر معها حول قفص الدجاج الذي لم يتبق فيه إلا دجاجة واحدة مريضة، وصغارها اليائسة. ناوشتها:
– هذا يعني أنه من المستحيل أن نمتلك جهاز تليفزيون
– بالضبط
وعشاء هذه الليلة مختلف. انه دسم وخاص بالولائم. أرز باللحم المحمر. انه لحم حقيقي.
– أبي لماذا لا يكون هذا عشاءنا المعتاد؟
– تناول طعامك بصمت يا شقي
تهمس أختي وهي تكاد تغص باللقمة:
– أحضروه من المأتم القريب
لولا هذه المناسبة الدينية الجليلة لما امتلأت بطوننا كبقية الشر. هذا المشهد المضحك للجميع وهو يتقاتلون علي اللقمة يذكرني بمشهد كوميدي رأيته في التلفزيون انتهي بتسمم جماعي.
اشتقت إلى صحبة ابن الحاج منصور. اشتقت في الحقيقة إلى مشاهدة التلفزيون. الحياة بدون مشاهدة التلفزيون مملة، وتبعث علي السأم .
تجاهلت تحذيرات أبي وصرت ألتقي في الخفاء بابن الحاج منصور، الفرح بشجاعتي ، وتمسكي بصحبته. صار يشاركني أكل الآيسكريم اللذيذ، وصرت أتفاخر بين أخوتي الجياع.
أغريت أخوتي الصغار بالمشاهدة ذات يوم. صحبتهم جميعا بعد أن أنسلوا من المنزل، والتقينا عند الحاج منصور بعد أن اتفقنا علي أن نعود قبل هبوط المساء.
– الحياة بدون مشاهدة التلفزيون مملة
قلت لهم ذلك بزهو، هكذا كانت تعبر حركاتهم التلقائية وهو يتابعون المشاهدة.
نحن الآن نجلس أمام التلفزيون مبهورين. عين علي الشاشة السحرية، والعين الأخرى لا تبارح موقع الآيسكريم في يد ابن الحاج منصور. تنطلق أختي الصغيرة من مكانها بعين زائغة وتخطف الآيسكريم وسط ذهول الجميع، وتختفي.
والآن لم يعد هناك تلفزيون منذ ذلك اليوم. أبي غاضب ، والحاج منصور لا يمكن تهدئته، وكل العيون الجائعة كانت تقول بحرقة:
” الحياة بدون رغبة لا تساوي شيئاً “

