قصة: المناورة الأولى.

سوطتك القبيلة بالنفي ..

لا أمتعة ترافقك والطريق المطعم بالوعورة مرشح بأن لا يتبنى خطواتك، وستمضي أيها المسكين مسلوب الغبطة. مشمئزاً من عفونة الدروب ويلطمك كلما توغلت لفة من سؤال ثقيل جداً..

– هل أنت بحاجة إلى عود ثقاب وقلب من الشمع ؟

تمتطي دابة الأهازيج مقطبة الجبين. تمضي بك هائجة لحقول التعبفتروضها بزيت الحب الساخن. في طريقك الطويل إلى غربة الأخاديد المكتظة بالعابرين استرحت في واحات تلد واحات. هذا هو عقابك.

تنز من ملامحك الساحلية رائحة السفر ..

هارب من مستنقعات إلى أوحال حيث فلاح فقير يروي بأبوة ظمأ زرافة بنفسجية مجنحة بسعفتي نخيل، ونقاش بملابس زاهية يزخرف برحيق الأزهار البرية سنابل القمح العجوز، وحارس ملكي مبرمج لضرب طبل كبير يتبعه مغني المقاهي الشعبية يعزفون على آلات وترية تشبه العود. تنقادون جميعاً وراء حاو كهل، يضرم النار في شعر رأسه عندما يصدح بمواويل شعبية..

أنا خادم الأرض السعيدة

حيث الحب لا يباع

ولا يستباح

فلنطرد الأوغاد معاً

سليلي النزق والانحطاط

وهناك عبد أجير يجر عربة يدوية مزركشة تقل رجلاً ميسور الحال ممسكاً بطائر لا هو بنعامة أو دجاجة أو طاووس يتعلق في رقبته اللزجة طفل أسطوري يشبهك يمد بصره الحاد ليقنص غزالاً رشيقاً يتبع نسراً جارحاً يحلق على مستوى منخفض وفي فمه حورية أشبه بالفاتنة التي ضاعت منك. تطل من شرفة الوقت وتقذف للجميع أحذية مطاطية وقبعات صيفية من القش الملون. تسحب الحورية من ضفيرتها الذهبية وتخبأها في الحال سجينة قفصك الصدري. تسترق النظر فترى لعنتك الأبدية .. حوريتك الحسناء تفتل الضفائر الهمجية وتدهن الشعر الثائر بعصارة المعدة. تخرج من إبطها مرآة مشروخة لتتمشط فترى في الانعكاس مشاهد ليست من نسلك.

صبي لا يتعدى العاشرة، رث الملابس، يبيع فضلات الساحرات الشمطاوات الطرية والملفوفة بأوراق اللوز المعطرة لنسوة الأغنياء والأعيان العاقرات المتلهفات لجنين ثم يمضي آخر النهار ليشتري بالنقود الوفيرة بالونات ملونة، وحلوى، ومرآة عتيقة من بائع خردة عجوز تنشرخ دون سبب في طريق العودة.
رجل ثري ينتقم من فقراء يلاحقونه بأن يأمر غلمانه بحلق شعرهم في مكان عام ثم يحمل إبريقاً مذهباً ويرش طريقه بماء الفضة ويتركهم يتعاركون على رمل الطريق المزيف ويمضي سعيداً.
قبيلتك التي تحتفل بسقوطك تتبعه بهوس تقرع الأجراس وتغني للسفالةـ والعربدة، والنذالة، والصلاة الخاشعة بإطالة أمد الوضاعة عليك .

ثم يبدأ النشيد النشاز:

امض ،،
نحن نتبعك باللعنة
،، ننثر في دربك الطويل التعب
،، والزجاج
ستجد الغد مصلوباً بالغربة
وستأسى للماضي الذي يستصرخك
امض ،،

لست وحيداً كما يعتقد الأنجاس، مخلفات اللذة، أبناء الملاعين، الأوباش، سليلوالخونة. لست وحدك يا الذي أرادوا له العزلة. بحوزتك رفيقة تغنيك عن طابور الوحدة. تحتاج قليلاً من الوقت لتبدد عنك الأنظار، وكثيراً من الصبر لتبذر حقل الألفة وتنزع رداء الاحتقار، وما تيسر من الأسئلة وفتات الوهم المعلق على شرفات بلاهتهم. ما أدراهم بأنك تتخطى كالمحارب الفذ حواجزهم المحكمة وتطمئن على التي في داخلك نسل الدم واللحم المنفية ، المظلومة ، المقهورة، الهاربة، القلقة، المتوارية، التعسة، المتحفزة للشمس، المغشية عليها بفرحة اللقاء .. مثلك. لا تخف أيها المنبوذ ستتحقق كل أحلامك، العشق، الفرح، ابتسامة الحبيبة المفقودة واغتيال جسد المنفى الجريح. فكأنها استمعت لمناجاتك الرخيمة وخرجت من جوفك الملتهب حمامة بيضاء لتخبئ خيبتك في فمك وتمضي كسيراً. تستعيد التفاؤل من جديد طالما أنها سترافقك بقية الطريق الشاق وتبدد قسوة الوحدة التي تربص بطمأنينتك الهشة.

وتبدأن رحلة الهروب. صامت أنت. تصك قبولاً فاتراً بالرضا وتنظر لعيون الحمامة، المفتن الوحيد الباقي من أثر الفتاة تعرض بوضوح وثائق سرية:

الفتاة تتربع على سجادة كشميرية تستسلم لماشطة عجوز تغرز في رأسها إبراً مسحورة ثم تمضي تاركة الفتاة فاغرة فمها.
ثعبان كبير يدخل جوف الفتاة ويستوطن أحشاءها.
الفتاة تتبع ببلاهة أباها الذي يبحث كالمجنون عن عظام ولده ليعثر عليها تحت مربط حصانه.

تحلق عنك الحمامة وأنت في أتون المشاهدة .. أنت أيها المغضوب على سلوته. وحدك تركض خلفها والناس من حولك يضحكون من قعر قلوبهم عليك، على الوهم، على جنون موائد خديعتك. تتوعد هباءً التي تسرح منتشية في الفضاء تبحث عن العجوز وعن من يخرج الثعبان اللعين وعن من يعيد الروح الغالية إلى جسد أخيها الحبيب. ليس بوسعك يا صعلوك العراء إلا الكلمات الجوفاء والتشدق بالرثاء لتظفر بإشفاقها التي أعلمتك بأنها هاربة من نذر أمها العاقر بتزويجها من شجرة مسكونة.

وتبدأ المغامرة ..

تنتهك القوانين التي تحاصرك وتقفز خارج أسوار الشرنقة لتغامر برذاذ الحياة وتطير خلف الحمامة الخائفة. تكتشف أن الحلم المغلف بالورد أو الملطخ بالكآبة ليس إلا بقعة متطايرة على خريطة المستحيل. تندفع على الطريق تنفذ قرار النفي الجائر بعد أن أدركت أن منفى واحد لا يسعكما. يجب عليك استعادة الحورية متشحاً بالمغامرة ومصاحبة الأشباح الأليفة، منزلقاً على الدروب باحثاً عن الحقيقة بينما تنجو الحمامة بنفسها وبعذاباتها لتطير بعيداً عن أرض القبيلة. أرضك التي عادت لاتستوعب ذكرياتك / ألآلامك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *