قصة: لك الشحوب .. والعجب.

(أ)

عصفت بالأمنية اليتيمة في خيالي الشاسع، وضربت بها عرض الحائط. زَمَّت شفتيها الرفيعتين المطليتين بدم غيظي القاني. عقدت الحاجبين، وسلبت في غفلة مني إذعاني؛ ذلك الشيء الوحيد الذي أفتخر بملكيته والتصرف فيه. غدوت أمامها علامة استفهام خرجت للتو من عالم نتن مُشبَع بالظلمة، وتتفاءلرغم العراقيلبالقادم. حاولت رد الصفعة ولكني تقبلتها برحابة صدر جبانة. وقلت أبدي إحتجاجاً متخاذلاً راودني الشك في مصداقيته:

هذه الغرفة لا تلائمني.

لم تسمعني كما يبدو، فهتفت في أذنها معيداً نفس العبارة. جاوبني صدى أحبالي المتقطعة المتنزه في ثنايا الطبلة. لم يهتز إلا القرط الذهبي الذي رثى لحالتي المنكسرة. كررت المحاولة بحذر:

لماذا تصرين على هذه الغرفة بالذات؟ إنها مغرقة في التقليدية.

لم تجبني، وتركتني على شاطئ السؤال أُنهش من حيرتي بجنون. توجهت إلى مكتب مدير المبيعات تمشي بدلال تستعرض جسدها النحيف. أقلقتني نظراته في الأماكن المحرمة، فأقحمت نفسي في الحديث وتمكنت من الانفراد بها ثانية. عاودت الإلحاح:

اختاري أخرى.

هذه أحبها وأنت لا تفهم.

أجابت بغضب كاد يفضح شخصيتي الواهنة. فهمت من عينيها أن هذا التعنيف إنذار أخير. تحاشيت الوعيد الشامخ في عينيها. وتلقفني الشارع يلثمني بجنون.

(ب)

سألني أستاذ التربية الدينية في المرحلة الابتدائية عن سر اهتمامي المتزايد بالألوان الشاحبة، ولم أستطع الإجابة وقتها. لم أحاول مطلقاً مجرد المحاولة المجردة إن كانت هناك إجابة. وها أنا ذا أحاول الآن فقط جاهداً، والفشل ينتصب لي عندما يعتريني التفاؤل. أشياء أخرى تمنيتها ولم تنتصب. وحدها تلك المرأة الحديدية تدرك الحقيقة والتي يبدو أنها ملوثة بالمرارة. تعلقني من حريتي، وتشنق رجولتي بشموخها الزائف. تبصق في وجهي الجبان حقدها المعتق. وعندما أسألها بطفولة أعماقي تقول كالبركان الثائر:

شحوب يقضي علينا ببطء أنت تعلم مصدره، وكيفية القضاء عليه مرهونة بعزيمتك المتخاذلة. لك ولي أحلامنا ومستقبلنا. أوف! لماذا لا تريد أن تفهم؟

تلقي عليّ ما يختمر في أعماقها وتخلد للنوم متجاهلة الكثير من رغباتي الحيوية، خافقة الصدر مديرةً وجهها للجانب المظلم. أنبهها عن طيب خاطر أن تخلع ملابس السهرة وترتدي ملابس النوم المسيلة للعاب. تطلق زفرة عميقة في وجهي وتتركني وحيداً متربعاً على فراش وثير لغرفة نوم وردية. أضرب رأسي في الجدار وأتمنى أخيراً أخشاباً شاحبة.

في الصباح عندما أطلقت السهرة سراحي، قدمت لها بعينيّ الحمراوين اعتذاراً لطيفاً تقبلته على مضض. أغريها بمتع عديدة ترفضها، وعندما اقترحت الذهاب إلى محل مفروشات وانتقاء غرفة نوم جديدة قبلت على الفور. ارتسمت على شفتيّ ابتسامة شبحية وأزالتها بشروط تعسفية. بيدها تحديد الزمان، المكان والأخشاب. أوافق ونخرج سوياً، فاشلاً في الحصول على قبلة، أو مجرد تأبط ذراعها.

(ج)

يناوشها القلق فتفقد السيطرة على أعصابها المتوترة وتبث سموم غضبها على المكان. أحبطت محاولاتي الرامية لتهدئتها وقذفتها جنباً إلى جنب مع كرامتي في صندوق قمامتها. لم تجمع الغرفة الجديدة جسدينا لليلة واحدة. غضب واحد لم تغيره السنون الماضية يتدفق باستمرار رغم طيبتي وحناني، وها هو الآن يتعاظم لدرجة فظيعة؛ يقذفني من علو يأسي الشاهق ويبعثني للشقاء من جديد. إلحاحي الأخرق كاد يقطع الخيط اليتيم. استوقفني عندما حولها الكتمان إلى شظايا قذفت بحممها النارية في وجهي قائلة:

هل يهمك أن تعلم سبب شقائي؟

وبمَ تفسرين إصراري؟

أجبت بحذر وجبن يتسلق أعالي كبريائي.

انقطعت العادة الشهرية منذ أكثر من عشرة أيام وأخشى الحمل.

تخشين ما تتمناه كل فتاة!

– .. إلا أنا.

ماذا ينقصكِ؟

جحظت عيناها وقالت حانقة:

أنت تعلم ما ينقصني، إنه الشيء الوحيد الذي تحصل عليه الفتاة المتزوجة وأسعى إليه.

الظروف أقوى مني، ماذا أفعل؟

للأسف لم تفعل شيء على الإطلاق، مجرد محاولات هزيلة يدب اليأس في بدايتها وتنتهي باستسلام مخجل في النهاية. المشكلة تكمن فيك.

قلت لكِ مسألة وقت، أنتِ متعجلة.

مجنون! ماذا تظنني جنساً ثالثاً أم حجراً صلداً؟ ثم إنك لم تخبرني بهذه الحالة قبل الزواج، وهذا أمر آخر لا أحب الخوض فيه مرة أخرى.

قالت بانفعال. ثم واصلت بألم حارق فتك بسكونها وأخرج حشرجات بدأت تتعالى:

متعجلة هاه؟ منذ زواجنا وأنا في موقف لا أحسد عليه بسبب عادة قذرة.

ماذا تريدينني أن أفعل؟

حالتك تستوجب علاجاً نفسياً.

لا أحب الأطباء النفسيين فهم يشعرونني بعجزي.

صمتت فجأة واستدارت معطية ظهرها لي باحتقار. خطت بسرعة نحو الباب. نظرت إليّ بذات الاحتقار، وصرخت بأعلى صوتها:

أريد أن أفهم ماذا كنت تفعل عند ذهابك كل عام للبلاد الموبوءة بالإيدز؟

نظرت إلى أسفل جسمي. كنت أحمل جواباً قوياً لذلك التساؤل القاتل مدعوماً بالأدلة القاطعة. ثم فض صمتي صفعة باب.

(د)

أقوم مراراً في منتصف الليل، لأجدها متربعة على الأرض تفترش سجادة الصلاة. تقرأ أدعية شتى لأمنية واحدة. أتظاهر بالنوم ودعاء واحد يثقب أذني يردده القلب:

لجأت إليك وقت الشدة عندما هربت منك وقت الرخاء. أيها العليم والمطلع على الخبايا في النفوس، اكتب لي الصلاح.”

أخلد وحيداً للنوم على السرير الذي لم تكن لي حرية اختياره.

(ك)

انقباض فوضوي لا ينتظم، ومخاط مُدمّى يبشر بالقادم. يزورها الألم بعض الوقت عند البطن ويرتحل من غير سابق إنذار جهة الظهر. ينفجر الكيس ويتدفق الماء المعجزة في الأرجاء. دافئ له خصوصيته. يزول معه الاعتقاد بحسن الحظ في الحياة. تتقاطر الدموع من عينيها بدون بكاءٍ يغطي وجهها المكفهر. يصرخ الطبيب بها طالباً المساعدة بعد أن أعيته الوسائل السلمية عن تنفيذ المهمة. يطلب مني التدخل لأتراجع بنظرة مرعبة منها. ينفد صبره ويهمس للممرضة الأجنبية الدميمة:

جهزيالأبيديورالحالاً.

خدر يتغلغل سريعاً إلى الجذور. رعشة تنفض سكون الركبتين. تخفض البصر وتبكي. الكل منهمك في المحاولة إلا هي تقاوم بإصرار. يصرخ الطبيب بعصبية:

ساعدينا أرجوكِ. ساعدي نفسك. الأمر أصعب في حالتك.

يستسلم ويقرر على الفور عملية قيصرية لينقذ الموقف اللعين. ينقلها (التريلين) إلى عالم أخضر عجيب. وجرعة من (الفاليوم) تحلق بها أكثر للأعالي دون الإحساس الفظيع بالألم. قسطرة عاجلة يعقبها الفتح البكيني المؤزر. صراخ بدائي أسعد الجميع وأتعسها. عبست وكتمت الصوت عن مسامعها. ترفض محلول الجلوكوز والملح. تستفيق على صوت الطبيب المنهك:

مبروك، توأم: ولد وبنت.

تدير رأسها للجانب الآخر وتبكي بحرقة. دنا الطبيب وهمس قائلاً:

لا تقلقي يا عزيزتي، لم يعلم أحد بالأمر، دبرت المسألة بمشرط وسارت الأمور بشكل طبيعي، ولكنك مدينة لي بتفسير فيما بعد، لماذا أنتِ عذراء؟

في المساء عندما حضرت للزيارة كنت أحمل باقة ورد رائعة. وجدتها واقفة عند النافذة حمراء العينين. سريرا الطفلين فارغان. طلبت تفسيراً.

الولد تحت العناية الطبية لبعض الوقت.

والفتاة؟

سألتُ بهيجان.

كتمت أنفاسها لأنها ولدت بدون بكارة.

ألقيت بالورود الجميلة وخرجت غاضباً. نادتني بلهجة آمرة:

تباً لك من رجل.

لم يكن لدي ما أقوله فخرجت على الفور وتركتها تبكي بحرقة.

(هـ)

انخرط صغيرنا في بكاء متواصل حتى أيقظني من نومي. صحت فيه حانقاً:

كُفَّ عن نواحك المستمر.

طالعني بتقاطيعه البريئة وقالوهو في بداية نطقهوهو يشير إلى ركن الغرفة البعيد:

أسمعني صوتك من هناك.

تسلقتني الغرابة والتفتُّ صوبها أحمل دهشتي الجبارة:

إنه يكلمني بطريقتك!

ابتسمت من أعماقها الجريحة وقالت بثقة:

لقد تحقق ما تمنيته.

همتُ على وجهي في الشوارع المهجورة، ولم أجد غير الأرصفة تدثر حزني الدفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *