قصة: في مدينة الطمأنينة.

قالت الصبية:

وجدنا رجلا مستلقيا على ظهره فاتحا فمه الكبير مصيدة ماهرة للنوارس المتعبة من الترحال، ولا يتحرك . وكلما أبتلع نورسا انتفخ وكأنما ابتلع عجلا . منذ قليل تركناه يضاهي في حجمه قوارب الصيد؟ “

توجه رجال الشرطة ببنادقهم صوب البحر . استعانوا أيضا بشباك الصيادين المنسوجة حديثا، ونبال الصبية قصيرة المدى ، ووصفات العشابين السحرية ، وبخور الدجالين المتقاعدين . كان الشاطئ يتيما يلتهم صفار الرمل ، ويبكي وحدته.

صاح المفتش:

أين الجثة؟ “

بحثت معه المدينة عن الرجل الغريب . عروا الشاطئ الخجول . جمعوا القواقع الشريدة ، وسرطانات البحر الوليدة، وعلب البيرة الفارغة في بقعة بعيدة وكوموا المراكب ، وأكواخ الصيادين في مكان قصي.

أجاب الصبية بذهول:

” اسألوا النوارس المغتصبة

كانت النوارس المسكينة قد احترفت الترحال إلى وطن جديد يحبل بأمل الاستقرار ، ويبدو إنها قد حرضت معها بقية الطيور . فض المفتش الجمهرة الكبيرة وعين زمرة من رجاله الأقوياء يحرسون البحر ، لايسمحوا لأي مخلوق كان بالاقتراب . أعلن البحر منطقة محظورة فكان الصيادون أول من بكى وتحسر . احتفلت الأسماك بهذه المناسبة السعيدة واصلة الليل بالنهار في رقص ، وعربدة، وسكر . أقام المفتش سياجا من الأسلاك الشائكة بارتفاع تحليق الطيور وعلى امتداد الشاطئ . بعد شهر واحد لم يعد أحد يتكلم عن رجل البحر ، وأصبحت المنطقة مهجورة . انتظرت الأسماك عودة الصيادين وعندما لوثها اليأس احتجت بان انتحرت جماعيا ، وتواطأت مع الشاطئ يعرضها.

كان ذلك ليلة البارحة عندما دخلت مدينتكم من جهة البساتين. “

قالها رجل غريب قدم إلى المدينة مؤخراً ، ثم تابع:

رأيت رجلا ضخم الجثة ، لونه كشجرة يافعة يسقط على ظهره بين النخيل ، ثم فتح فمه منزلا رحبا للنجوم السقيمة وشظايا القمر الهرمة . ظل مضيئا حتى الفجر ، وعندما لامسته شمس الصباح ازرق بدنه ، وتركته يشتعل دون أن يحترق جسده. “

هبت المدينة تتبع خطى الرجل الغريب . كان بالبساتين بقايا رماد ، وحرارة آيلة للخمود . لم يكن بالإمكانالجزم بان ذلك دليل . انتشر الجميع يحملون أواني الماء ، ويستبيحون حرمات الشجر ، ويكشفون عورات الجداول . استجوب المفتش العصافير الوليدة ، وشيوخ الضفادع ، وبلح النخيل ، وسماد الحقول ، وفضلات البهائم النتنة . حاول مرارا مع خيال المآتة ، والثمرات العجوز المنبوذة على الأرض . ولم يجد إجابة شافية.

صاح الغريب:

أقول الحقيقة ولا أهذي . كان يبحث عن شيء ما بجنون قبل أن يسقط . “

صدقته المدينة . وعلى الفور استدعى المفتش بنائي المدينة المهرة وأرغمهم على تشييد سور عال يحجز البساتين عن المدينة . بعد عدة أسابيع من العمل المتواصل انتهى البناءون ، وبمساعدة سخية من الأهاليمن بناء سور عظيم أغفلت ذكره كتب التاريخ . وهنا قال المفتش البائس جملته الشهيرة.

التاريخ لا يكتبه إلا المزورون. “

عين المفتش حارسا لايفغل له جفن وأعطاه صلاحية مطلقة لاعتقال كل من تسول له نفسه الاقتراب من المنطقة . كان عشاق القلب الهاربون من سطوة العيون الفضولية أول من تذمر من القرار الظالم . أصبحتالمنطقة مهجورة ، والنخيل تستصرخ الماء ، والعطش يتلذذ بعذاباته . ولم يعد أحد يتذكر الرجل الأخضر.

كان الوقت لاهبا وحرارة الظهيرة سوطت الطرقات وأفزعت الأرجل حين طرقت بيت المفتش مجموعة من النسوة الفزعات ، وتكلمن بصوت واحد:

جئنا على الفور كما ترى ، حتى بدون استئذان أزواجنا . ككل يوم ، وفي نفس التوقيت توجهنا صوب العين نغسل الثياب ، وأبداننا من تعب النهار . كان الماء يتطاير من العين بجنون . دخلنا لنجد رجلا ضخم الجثة ، عاري الجسد . كان شفافا حتى أننا كنا نرى بوضوح أحشائه الداخلية ملونة . كان يبحث عن شيء ما ثم جلس يلتهم الصنابير وحجارة العين الناتئة . وعندما وقعت عيناه المخيفتان علينا استلقى على ظهره وفتح فمه الكبير ليتسع لكل مخارج المياه . انتفخ بسرعة عجيبة قذفتنا بقوة خارج العين ، وقبل أن نولي الأدبار . تركناه يا سيدي يشرب ماء المدينة ، ويبدو انه لن يرتوي. “

سترت النسوة أبدانهن المبتلة بأغطية ثقيلة ، وأنضممن إلى موكب المدينة المهتاج ، والمدجج بالهراوات ،وسكاكين المطابخ . ضاعت هيبة المفتش ورجاله الذين لم يستطيعوا كبح جماح غضب الرجال العارم . كانت العين غارقة في المياه ، ولم يجدوا في المكان سوى ملابس داخلية قد تكون لأي رجل من المدينة . شنوا حملة تفتيشية دقيقة أثبتت فشلها منذ الدقيقة الأولى.

صاح الرجال الغاضبون:

هذه فضيحة لا يرضى عنها الشريف. “

وكإجراء لحفظ ماء الوجه المهدور طالب المفتش رجاله بهدم كل العيون فورا. في اليوم التالي اهتدى المفتشأثناء استحمامه إلي فكرة رائعة ، وصاح من فرط فرحته:

وجدتها .. وجدتها. “

استدعى رجال المدينة وهيج غيرتهم من جديد . طلب منهم معاونته في حفر خندق. بدأت المهمة المستحيلة بعزيمة جبارة. وفي أسابيع قليلة أنجزوا خندقا رهيب العمق حشى جزء منه بالأشواك السامة ، وجزء آخر بالأفاعي والعقارب ، وجزء غير يسير بالزجاج المبشور ، والباقي برمال متحركة يفتك بها جوع أنساني . كان الخندق معجزة كبرى ، ولم يعد بإمكان أحد الاقتراب من منطقة العيون.

في خطوة جريئة وشجاعة دس المفتش رجاله بين الأهالي يستكشف سرك . كانت الأوامر واضحة ومحددة ، التفاصيل الدقيقة بين كل اثنين يختليان . ولقد كانوا حقا مهرة ويحسن بهم الظن ، حتى أنهم أطلعوا المفتش على موعد اختلاء كل رجل في المدينة بزوجته.

لم تكتب لخطوته النجاح فقد هجمت على مكتبه شبيبة تكلموا بصوت واحد:

ونحن في طريقنا إلي الملعب الرياضي صادفنا الغريب وهو يركض عاريا بجنون في الساحة ، ولما شاهدنا تعفر في التراب . ارتعبنا في البداية وكنا سنتراجع لولا أننا وجدناه في وضع لا يسمح بالأذية . هجمنا عليه وثبة رجل واحد . قيدناه بشباك المرميين ، وسحبناه بصعوبة حتى ثبتناه بشق الأنفس في العوارض الخشبية . كأنما ابتلع أثقال الدنيا . قضينا زهاء الساعتين ونحن نجره مسافة تقل عن المائة متر . كان يتنفس باضطراب وهو يزبد ، ويخرج رائحة تقيأ بسببها معظمنا. تركناه بحراسة أحد الزملاء. “

هرع الأهالي يتقدمهم المفتش يحملون ما بوسعهم للانتقام . تسلح الأطفال بألعابهم البلاستيكية ، وكانوا في آخر الطابور . اندفع الشباب أولا بالمعاول والهراوات ، يتبعهم الصبية بنبالهم. أما النسوة فهبوا يحملن ما تقع عليه اليد من أدوات المطبخ . كان المفتش ناقما على رجاله المغاوير الذين فشلوا في الامتحان الأول . عندما وصلوا إلي الملعب لم يكن هناك إلا الشاب المكلف بالحراسة مقرفص على نفسه ، ويبكي بحدة. انتشله المفتش قبل أن يفتك به زملاؤه.

بعد تلاشي خطواتكم الأخيرة فتح الغريب عينيه وكف عن التأوه . التهم في البداية الشباك التي تقيده بشهوانية حيوانية ، ثم تمم على الأعمدة الخشبية في ثوان مذهلة . ولم يغفل عن القاذورات والأوساخ المتناثرة . أظنه لم يشبع فكنت له المحطة الأخيرة ، كاد يبتلعني لولا أن تراجعت في الوقت المناسب . ثم جدف بيديه وهو مستلق على ظهره حتى اختفى وسط الغبار . “

انفض الجمع خائبا يبكون ضياع الفرصة . بقى المفتش مع رجاله ساهما يفكر في حل ينقذ سمعته الزائلة حتى اهتدى لفكرة جهنمية خارقة . أمر رجاله الخارقين أن يقيموا شريطا بعرض عشرة أمتار على طول المسافة الجرداء من المدينة ، ويوقدونه بالنار العظيمة التي لا تخبو ثانية واحدة . كانت طريقة ذكيه من المفتش ، فبالإضافة إلي كونها الحاجز الأخير الذي عزل المدينة عن العالم الخارجي فقد ساهمت إليحد كبير في تسهيل مهمة المراقبة ليلا ، حيث ينقلب الوقت ظهرا . أصبح الجميع يتحاشون المرور من تلك المنطقة . حرارة رهيبة لا يستطيع المرء الاقتراب منها حتى على بعد مئات الأمتار . كان الضابط واثقاً من نفسه وقدراته عندما وقف يخطب في الحشد:

والآن ليس للغريب ثغرة للنفاذ إلي مدينتنا . البحر مسدود من أمامه ، والبساتين تخفي شركا تعجب منه المستحيل ، وزرعنا له في الخندق قبره، والموت له بالمرصاد لو فكر بالاقتراب من القفر . كل ما أرجوه أن لا تتستروا على الخونة إن وجدوا بينكم . أعلم أنالحال سيكون صعبا ، ولكن ما أطلبه هو الصبر والاحتمال. “

وأيدت المدينة قول المفتش دون تردد:

سر ونحن من وراءك نساندك. “

كان ذلك في كل الأوقات عندما هطل على مكتب المفتش سكان المدينة يشكون رعبهم منك أيها الصعلوك الثائر. عدت تنتقم بهوس متنقلا بين البيوت بدون استئذان . تنتقل مع الريح ، والطيور . فتح المفتش فمه وعينيه على آخرهما وهو يستمع لسيل من وقائع خرافية لا تحدث إلا في مدن الأحلام . رسم في عقله سؤالا صغيرا وتركه يتوالد بغير جواب . بين يديه دفتر الأحوال اليومي الذي لم تمتلئ منه صفحة واحدة سنوات طويلة ، وها هو الآن يقارب على نهايته.

وجدوه في الحمام تستحم عن لزوجة جسده الكريهة ، ويأكل برازه بدون تقزز
رأوه في المطابخ يلتهم الأطعمة الباردة وما أمامه من الأدوات الحادة
صدم البعض وهو يعبث في حدائق منازلهم ، يقتلع المزروعات اليافعة ليحك بها دمامل جسده
فاجئ الأغلبية على سرير نومهم في أوضاع مخجلة بحثا عن حورية

منذ قليل كان يعبث هنا. “

هكذا كان يقال للمفتش وهو ينتقل بين بيوت المدينة بحثا عن ا لرجل الغريب في جولته المدهشة . ويرى بوضوح آثارك المدمرة ، والتي لا يفعلها إلا طفل أخرق ومشاغب . كلهم اتفقوا على اصطدامك المفاجئ بهم . لم يسمعك أحد تتكلم . تستثمر وقتك الثمين في البحث عن الحورية ، والانتقام بالأكل الأعمى ، النهم . ولم يستبعدوا أن تأكل لحم البشر عندما تعاف نفسك القاذورات التي تقبل عليها الآن بشهية.

أغلق المفتش مكتبه ونشر كل رجاله العاملين في الخدمة ، حتى فرقة الاحتياط ، والمتقاعدين. شرطيا لكل بيت. المشاهدات لم تتغير ، بل تصله أشد فظاعة. كنت تأكل البيت برمته وتتجشأ ساكنيه لحسن حظهم . وفي الحال أصدر المفتش نداء عاجلا للأهالي عبر مكبرات الصوت بالتجمع في ساحة المكتب الخلفية . الكل يتحدث عن ما وقع له وكأنه يبالغ . آخر من وصل إلي الساحة قال أن حجمك وصل إلي حجم أربعة بيوت كبيرة . كان من المفترض أن يكون الوقت ليلا لولا الشريط الناري . الحشد المرتعب صامت ينظر للمفتش المطرق في تفكير عميق ، أو هكذا يتظاهر ليزيح عنه التساؤلات المحمومة.

جاءته الصرخة الأخيرة:

سيدي المفتش . الرجل الغامض هنا في المكتب يدقق في دفتر الأحوال . انه الآن يأكل البنادق والأسلحة . يلتهم الذخيرة . ينتزع القضبان الحديدية ، ويلويها ثم يرميها في جوفه . انه يبحث عن شيء ما دون وعي. انه يتمم على كل شيء هنا ولا أستطيع منعه . يبدأ بالأثاث ، ثم السجاد ، ثم الأوراق ، ثم .. .. .. .. “

التهم الرجل الغريب المبنى بما فيه ليطل على الحشد الذي حطم كل أحلامه بانتظار النهاية التي سيصنعها. ألقي نظرة فاحصة على الحشد ، على الإناث بالتحديد . ثم تجشأ للمرة الأخيرة قبل أن يشدالرحال إلي مكان جديد ،، وربما وأمل جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *